ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahكل الآراء بقلم عبدالعزيز محمد العنجري

مبادرة الصين الأمنية... بين المصداقية والقدرة

مبادرة الصين الأمنية... بين المصداقية والقدرة

طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال محادثاته في القاهرة، مبادرة من أربع نقاط لبناء إطار أمني جديد في الشرق الأوسط، يستند إلى مفهوم "الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام".

تدعو المبادرة إلى أن تنبع ترتيبات الأمن من داخل المنطقة، وأن تُعالج أزماتها بصورة مترابطة من دون تهميش القضية الفلسطينية، مع ربط الاستقرار بالتنمية وحماية الممرات البحرية، واحترام ميثاق الأمم المتحدة، ورفض التدخل الخارجي وازدواجية المعايير.

هذه ليست دعوة إلى تحالف عسكري تقوده الصين، ولا عرضاً لمظلة دفاعية بديلة عن الولايات المتحدة، بل محاولة لإعادة تعريف من يشارك في وضع قواعد الأمن الإقليمي: القوى الخارجية وحدها، أم دول المنطقة أيضاً؟

أخبار السياسة

صحافة استقصائية

خطط للرحلات الموسمية

وهنا تحديداً تستحق المبادرة الاهتمام. فالترتيبات التي قادتها واشنطن وفّرت لبعض دول المنطقة ردعاً، وضمانات أمنية لا تستطيع الصين تقديم بديل مماثل لها حتى اليوم، لكنها لم تمنع الحروب المتكررة، ولم تنتج نظاماً أمنياً يحظى بقبول مختلف الأطراف.

ولا يقتصر التفاوت بين القوتين على القدرات العسكرية. فالولايات المتحدة تمتلك شبكة أوسع من العلاقات السياسية والإعلامية في الشرق الأوسط، ما منحها قدرة أكبر على شرح سياساتها، والدفاع عنها أمام الرأي العام العربي.

أما الصين، فرغم اتساع مصالحها، فلا تزال أقل حضوراً وانفتاحاً في مخاطبة مجتمعات المنطقة، ولذلك تبدو أهدافها أكثر غموضاً.

لكن اختبار الخطابين بالسجل الفعلي يقدم صورة أكثر تعقيداً. فمنذ تولي جمهورية الصين الشعبية مقعدها في مجلس الأمن عام 1971، استخدمت بكين الـ"فيتو" نحو 20 مرة، مقابل نحو 89 مرة للولايات المتحدة، ارتبط أكثر من نصفها تقريباً بحماية إسرائيل، أو تعطيل قرارات متعلقة بها.

وخارج المجلس، استخدمت واشنطن القوة العسكرية من دون تفويض أممي صريح في غرينادا وبنما وكوسوفو والعراق. ثم جاءت العملية العسكرية التي انتهت بأسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقله إلى الولايات المتحدة، والضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران. وفي المقابل، لا يخلو السجل الصيني من التناقضات؛ فقد استخدمت بكين الـ"فيتو" إلى جانب روسيا لإسقاط مشروعات قرارات دولية عدة.

هذه المقارنة لا تجعل الصين حارساً مثالياً للقانون الدولي، لكنها تمنح دعوتها إلى الحد من التدخل الخارجي مصداقية نسبية تستحق الفحص. وهي ترصد أيضاً تحولاً في المزاج الإقليمي؛ فالتباعد بين بعض المبادئ المعلنة، والممارسات الأميركية، جعل قطاعات من النخب والرأي العام أكثر استعداداً للاستماع إلى الطرح الصيني.

ومع ذلك، يجب التمييز بين المصداقية والقدرة. فالتحفظ في استخدام القوة لا يبني وحده نظاماً أمنياً، مثلما لا يضمن التفوق العسكري قبولاً سياسياً دائماً.

ولا تحتاج المنطقة إلى الاختيار بين واشنطن وبكين، بل إلى معرفة ما تستطيع المبادرة الصينية إضافته، وكيف يمكن أن تتكامل مع الضمانات القائمة، من دون أن تتحول المنطقة إلى ساحة جديدة للتنافس الدولي.

أفكار الأمن المشترك، وامتلاك دول المنطقة زمام قرارها الأمني ليست جديدة، لكنها نادراً ما وجدت قوة دولية كبرى مستعدة لحملها إلى طاولة النقاش العالمي. والصين تملك من الثقل السياسي والاقتصادي، ومن العلاقات مع أطراف متعارضة، ما يؤهلها لنقل هذه الأفكار من نطاق التنظير إلى مسار ديبلوماسي واقعي.

مبادرة الرئيس شي تستحق الترحيب بوصفها بداية ممكنة، لا مشروعاً مكتملاً ولا اصطفافاً ضد طرف آخر. فإذا وضعت بكين ثقلها خلفها، وقدمت آليات عملية وضمانات للدول الصغيرة، فقد تتحول المبادرة إلى أحد المسارات الجدية لبناء شرق أوسط أكثر استقراراً واستقلالاً في قراره.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓