ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahكل الآراء بقلم د.عائد الهلالي

هل ابتلعت تركيا الطُّعم؟

هل ابتلعت تركيا الطُّعم؟

هل ابتلعت تركيا الطُّعم؟ من إسقاط الأسد إلى مواجهة إسرائيل، وإيران تؤخّر ولادة الشرق الأوسط الجديد؟

لم يعد السؤال اليوم: من انتصر في الحرب السورية، بل أصبح أكثر تعقيداً: من الذي استفاد فعلاً من سقوط بشار الأسد؟ ومن الذي قد يدفع ثمن الفراغ الذي تركه خروج إيران والفصائل الحليفة من الساحة السورية؟

هنا تبرز تركيا بوصفها أحد أبرز الأطراف التي ساهمت في تغيير المعادلة السورية، لكنها قد تكتشف تدريجياً أن النتائج التي أرادتها، ليست بالضرورة، النتائج التي تريدها إسرائيل والولايات المتحدة.

دخلت تركيا الصراع السوري وهي تحمل مجموعة من الأهداف الواضحة: إسقاط نظام بشار الأسد، إنهاء النفوذ الإيراني على حدودها الجنوبية، منع قيام كيان كردي مسلح متصل جغرافياً، وإقامة نفوذ سياسي وأمني واقتصادي تركي داخل سورية. كما دعمت قوى سورية معارضة، وساهمت، مباشرة أو غير مباشر، في البيئة التي أفضت في النهاية إلى انهيار النظام السابق.

أمن وقضاء

الوقت والتقاويم

لكن المشكلة أن إسقاط خصم مشترك لا يعني بالضرورة الاتفاق على شكل النظام الذي سيأتي بعده.

وهنا ربما وقعت تركيا في واحدة من أهم المعضلات الستراتيجية، فقد كانت ترى أن خروج إيران من سورية سيمنحها مساحة واسعة للتحرك، لكنها لم تنتبه، أو ربما لم تستطع منع الفراغ، الذي خلفه الانسحاب الإيراني، سيصبح مفتوحاً أمام إسرائيل والولايات المتحدة أيضاً.

إسرائيل كانت تمتلك هدفاً مختلفاً. بالنسبة إليها، كان إخراج إيران و"حزب الله" والفصائل الحليفة من سورية مكسباً ستراتيجياً كبيراً؛ لأنه يضعف أحد أهم خطوط الإمداد والنفوذ الإيراني، الممتدة من طهران عبر بغداد ودمشق إلى بيروت. لكن إسرائيل لا تريد استبدال النفوذ الإيراني بنفوذ تركي قوي، خصوصاً إذا تحول هذا النفوذ إلى وجود عسكري دائم، أو إلى منظومة أمنية وسياسية قادرة على التأثير في مستقبل سورية.

من هنا بدأ التناقض التركي– الإسرائيلي بالظهور.

تركيا تريد سورية قوية سياسياً، لكن مرتبطة بها ستراتيجياً، بينما تريد إسرائيل سورية ضعيفة عسكرياً، غير قادرة على تهديد أمنها، ولا تتحول إلى قاعدة نفوذ لقوة إقليمية منافسة.

وبذلك فإن ما بدأ بتقاطع مصالح تركية وإسرائيلية في مواجهة إيران، قد يتحول إلى صراع مصالح بين الطرفين نفسيهما.

أما السؤال الأخطر فهو: هل أخطأت تركيا عندما ساهمت في نشر ودعم الجماعات المسلحة في سورية، وحاولت توسيع نفوذها في العراق؟

الجواب ليس أبيض أو أسود. تركيا كانت تتحرك وفق حساباتها ومصالحها، ولم تكن مجرد أداة بيد إسرائيل. لكنها ربما ارتكبت خطأ في تقدير مرحلة ما بعد سقوط الأسد. فقد يكون إسقاط النظام هدفاً قابلاً للتحقيق، أما التحكم في مستقبل الدولة السورية فمسألة مختلفة تماماً.

وفي العراق، اصطدمت المحاولة التركية بواقع أكثر تعقيداً. فالعراق ليس سورية، وتركيبته السياسية والمجتمعية والأمنية، إضافة إلى الحضور الإيراني والأميركي، والتوازنات الداخلية، جعلت تكرار السيناريو السوري أمراً بالغ الصعوبة... وهنا نصل إلى إيران.

إن إخراجها من سورية يمثل خسارة ستراتيجية لطهران، لكنه لا يعني إخراجها من المعادلة الإقليمية. فهي لا تزال تمتلك أوراقاً متعددة، وقدرتها على التأثير لا تعتمد على جبهة واحدة. ولهذا فإن الدور الإيراني قد لا يكون قادراً على إيقاف المشروع الأميركي–الإسرائيلي، لكنه يستطيع تأخيره، ورفع كلفته، وإجبار واشنطن وتل أبيب على إعادة حساباتهما باستمرار، وهذا ربما هو جوهر الصراع الحالي.

فالهدف الأميركي–الإسرائيلي الأوسع ليس بالضرورة احتلال دول المنطقة، إنما إعادة تشكيل ميزان القوى فيها: إضعاف إيران، تقليص نفوذ حلفائها، إعادة تشكيل سورية، تحجيم "حزب الله"، ضبط العراق، وإقامة منظومة إقليمية تكون إسرائيل جزءاً مركزياً منها.

لكن هذه المعادلة تصطدم بعاملين أساسيين: إيران من جهة، وتركيا من جهة أخرى.

إيران ترفض أن ترى المنطقة وقد أعيد تشكيلها بالكامل على أساس إسرائيلي–أميركي، وتركيا لا تقبل أن تتحول سورية، التي تعتبرها مجالاً حيوياً لأمنها القومي، ساحة تتحكم بها إسرائيل وحدها.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ابتلعت تركيا الطُّعم، بل: هل ساهمت تركيا في إسقاط خصمها الستراتيجي، ثم اكتشفت أن المستفيد الأكبر من سقوطه قد يكون خصماً جديداً؟

إنها مفارقة الشرق الأوسط الجديدة: إسرائيل أرادت إخراج إيران من سورية، وتركيا أرادت إخراجها أيضاً، لكن خروج إيران قد يضع تركيا وإسرائيل وجهاً لوجه.

أما طهران، فقد خسرت موقعاً مهماً، لكنها لا تزال قادرة على إبطاء عملية إعادة تشكيل المنطقة.

وبذلك فإن المعركة لم تنتهِ بسقوط الأسد؛ بل ربما بدأت مرحلة أخطر: معركة تحديد من سيرث الفراغ، ومن سيرسم حدود الشرق الأوسط الجديد.

$ كاتب عراقي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓