سيجارتُك قاتلَتُك... كلاسيكية كانت أو إلكترونية!
وزارة الصحة تصدر قراراً ينظم تداول منتجات التبغ
د. أحمد الشطي: تشديد الرقابة بدءاً من 1 يناير 2027 على التبغ ومنتجاته... من المنافذ إلى المنصات
د. عبير البحوه: دراسة حديثة أثبتت أن ثلاثة أرباع مستخدمي السجائر الإلكترونية يدركون مخاطرها
د.خالد الصالح: تحديد 21 عاماً لشراء التبغ إجراء صحي ووقائي مهم لحماية النشء
لم يعد التدخين مجرد عادة فردية تقتصر آثارها على المدخن وصحته، بل تحول إلى أحد أكبر التحديات الصحية عالمياً، في ظل استمرار انتشار منتجات التبغ وتطور أشكالها ووسائل تسويقها. ووفقاً لأحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، يستخدم نحو 1.2 مليار شخص التبغ حول العالم، فيما يحصد التبغ أرواح أكثر من 7 ملايين شخص سنوياً، بينهم أكثر من 1.6 مليون من غير المدخنين نتيجة التعرض للتدخين غير المباشر.
أخبار محلية
السياسة
وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين، إذ يعد النيكوتين مادة شديدة الإدمان والتأثير، خصوصاً على الأدمغة التي لا تزال في طور النمو، فيما تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 88% من حالات بدء تدخين السجائر تحدث قبل سن 18 عاماً.
ومن هنا تبرز أهمية قرار وزارة الصحة رقم 237 لسنة 2026 بشأن تنظيم تداول منتجات التبغ والنيكوتين ونظم إيصال النيكوتين، في وقت تتسع فيه دائرة النقاش حول سبل حماية الأجيال الجديدة من المنتجات التقليدية والحديثة، وفي مقدمتها السجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ المسخن، بعدما غيرت صناعة التبغ أدواتها وأساليب تسويقها للوصول إلى المستهلكين الأصغر سناً.
أطباء ومتخصصون أكدوا لـ»السياسة» أن القرار يمثل خطوة صحية مهمة لحماية المجتمع، لكن التحدي الأهم يكمن في التطبيق الفعلي ومواكبة صناعة تطور منتجاتها وأساليب تسويقها بصورة مستمرة. فهل يمثل تنظيم تداول التبغ نقطة تحول في حماية المجتمع؟ وما الذي تحتاجه الكويت لضمان التطبيق الفعال للقرار؟
نهج استباقي
بدوره، أكد استشاري الصحة العامة والطب المهني والبيئي ومدير مركز حماية الطفل بوزارة الصحة د. أحمد الشطي أن أهمية القرار تتزايد مع التطور المتسارع في أشكال استهلاك التبغ والنيكوتين، التي تشمل السجائر التقليدية والإلكترونية ومنتجات التبغ المسخن وأكياس النيكوتين ومنتجات التبغ الفموية وعديمة الدخان، إلى جانب المنتجات المستحدثة التي قد تظهر مستقبلا.
وأوضح الشطي لـ «السياسة» أن من أبرز نقاط القوة في القرار تبنيه نهجا استباقيا لا ينتظر ظهور المشكلة الصحية، وإنما يضع إطارا تنظيميا يشمل المنتجات الجديدة، بما يسهم في حماية الأطفال واليافعين والشباب من التعرض المبكر للنيكوتين.
وأشار إلى أن حظر بيع أو تسليم منتجات التبغ والنيكوتين لمن هم دون 21 عاما، مع إلزام منافذ البيع بالتحقق من العمر، يمثل إجراء مهما للوقاية، إلى جانب حظر بيع أو تداول هذه المنتجات في المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية والمنشآت الصحية والجهات الحكومية والأندية الرياضية ومراكز الشباب والمرافق المخصصة للأطفال والشباب.
وشدد الشطي على أهمية حظر الإعلان والترويج والتسويق المباشر وغير المباشر، بما في ذلك عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي والمؤثرين وصناع المحتوى، فضلا عن العينات المجانية والهدايا والخصومات والعروض التشجيعية والرعاية.
فترة انتقالية
وأكد أن التحدي الحقيقي بعد صدور القرار هو الانتقال من التشريع إلى التطبيق الفعلي، داعيا إلى استثمار الفترة الانتقالية حتى بدء تطبيق القرار في 1 يناير 2027 في إطلاق حملة توعوية وطنية، وتفعيل الأجهزة الرقابية، وإحكام الرقابة على الاستيراد والمنافذ الحدودية، ومواجهة البيع الإلكتروني والتوصيل والمنصات الرقمية.
ولفت إلى ضرورة تعزيز خدمات الإقلاع عن التدخين بالتوازي مع الإجراءات الرقابية، من خلال توفير العلاج والدعم النفسي والسلوكي، مؤكدا أن نجاح القرار لا يقاس بعدد المخالفات المضبوطة فقط، وإنما بمدى انخفاض معدلات التدخين والبدء بين الشباب، وزيادة فرص الإقلاع، وانعكاس ذلك على خفض الأمراض والوفيات المبكرة والأعباء الصحية والاجتماعية.
وثمن الشطي اهتمام وزير الصحة د. أحمد العوضي ودعمه لهذا الملف، مؤكدا أن حماية الأجيال القادمة من أخطار التبغ والنيكوتين مسؤولية وطنية مشتركة.
بحث وتدقيق
من ناحيتها، أكدت مدير إدارة تعزيز الصحة بوزارة الصحة د. عبير البحوه أن القرار يمثل خطوة مهمة في إطار جهود الوزارة لحماية المجتمع، وبصفة خاصة الأطفال والمراهقين والشباب، من الآثار الصحية المترتبة على التعرض لمنتجات التبغ والترويج لها.
وقالت البحوه إن الوزارة لا تتعامل مع قضية التبغ باعتبارها ملفاً توعوياً فقط، وإنما تعمل بصورة مستمرة على دراسة وتدقيق الآثار الصحية والاجتماعية المرتبطة بمختلف منتجات التبغ، ومتابعة التطورات التي تشهدها هذه الصناعة والوسائل التي تستخدمها للوصول إلى الفئات الأصغر سناً، بما في ذلك المنتجات الإلكترونية والتبغ المسخن.
وأوضحت أن قسم البحوث والدراسات بإدارة تعزيز الصحة أجرى مسحاً إلكترونياً حديثاً لقياس مدى وعي ومعرفة البالغين في الكويت بأساليب تدخل صناعة التبغ وتأثيرها على الأطفال، شمل 820 مشاركاً، وأظهرت نتائجه وجود وعي جيد لدى شريحة واسعة بمخاطر المنتجات الجديدة، إذ أكد 74.5% معرفتهم بالأضرار المرتبطة بالسجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين، فيما رأى 58.4% أن التبغ المسخن ليس آمناً للمدخن والمخالطين له.
وأضافت أن نتائج المسح تؤكد في الوقت نفسه الحاجة إلى استمرار التوعية، خصوصاً أن 35% من المشاركين تمكنوا من تحديد شعار اليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ لعام 2024، فيما عرف 35.9% فقط أن مستخدمي السجائر الإلكترونية أكثر عرضة بثلاث مرات لاستخدام السجائر العادية لاحقاً.
وشددت البحوه على أن حماية الأطفال من تدخلات صناعة التبغ تتطلب تكامل التشريع والرقابة والتوعية، مؤكدة استمرار وزارة الصحة في متابعة الأدلة والدراسات العلمية وتحديث برامجها التوعوية والوقائية بما يتواكب مع المستجدات ويدعم الإجراءات الرامية إلى الحد من وصول منتجات التبغ إلى الأطفال والمراهقين.
دراسات علمية
ثمن رئيس مجلس إدارة الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين د. خالد الصالح إجراءات وزارة الصحة الرامية إلى الحد من وصول منتجات ومشتقات التبغ إلى الأطفال والمراهقين، مؤكدا أن الحد من وصول التبغ إلى الفئات العمرية الصغيرة يسهم في تأخير سن بدء التدخين وتقليل أعداد المدخنين مستقبلا، لافتا إلى أن دراسات علمية أكدت حجم مشكلة التدخين بين الشباب في الكويت.
وأوضح أن دراسة للباحث وليد العلي نشرت عام 2021 أظهرت أن متوسط عمر بدء التدخين في الكويت يبلغ نحو 17.5 عاما، فيما بينت دراسة للباحث عبدالسلام ناصر عام 2020 أن نسبة المدخنين بين طلبة الجامعات في الكويت بلغت 46%، ما يعكس الحاجة إلى إجراءات وقائية تستهدف الشباب قبل تحول التدخين إلى عادة وإدمان على النيكوتين.
وأشار إلى دراسة أخرى للباحث مساعد شيخ عام 2020، شملت طلابا مراهقين في أفغانستان وعمان والكويت، وأظهرت أن نسبة من استخدموا السجائر أو منتجات التبغ خلال الثلاثين يوما السابقة للمسح بلغت 28.8% في الكويت، مؤكدا أن هذه المؤشرات تستدعي تكثيف جهود الوقاية منذ المراحل الدراسية المبكرة.
ودعا الصالح إلى أن تترافق خطوة تحديد سن 21 عاما مع رقابة فعالة على منافذ البيع وبرامج توعوية مستمرة في المدارس والجامعات، إلى جانب تعزيز دور الأسرة في متابعة الأبناء وتوعيتهم بمخاطر التبغ.
وأكد أهمية تكامل جهود وزارات الصحة والتربية والجامعات والأسرة ومؤسسات المجتمع المدني، مشيرا إلى أن الجمعية تدعم جهود مكافحة التدخين من خلال عيادتها المتخصصة لمساعدة المدخنين على الإقلاع، وتسعى إلى تعزيز التعاون مع الجامعات لرفع الوعي بمخاطر التدخين وتشجيع الطلبة على الإقلاع والوقاية من البدء فيه.