محمد ميرزا: الاعتزال قرار صعب... وأفتخر بأنني كنت جزءاً من جيل صنع تاريخ 'اليد البحرينية'
طوى نجم كرة اليد البحرينية الدولي محمد ميرزا، آخر صفحات مسيرته العامرة بالانجازات والالقاب مع كرة اليد، معلناً اعتزاله اللعبة، تاركاً وراءه أرثاً ضخماً من البطولات سواء مع "الأحمر البحريني" أو مع الاندية التي مثلها.
وكتب ميرزا مودعاً الجماهير في رسالة مؤثرة: "اليوم أعلن اعتزالي كرة اليد بعد سنوات من العطاء، كان لي خلالها شرف ارتداء قميص منتخب البحرين وتمثيل وطنه في المحافل الدولية"، واكمل، ارتداء قميص البحرين كان دائماً فخراً ومسؤولية وانتماءً، وستبقى كل لحظة عشتها في الملعب جزءاً من تاريخي وذكرياتي. وختم ميرزا "رسالة الوداع" قائلاً: "وداعاً للملاعب وليس وداعاً لكرة اليد".
اشتراك صحيفة رقمية
سياسة
بث مباشر
وكسب ميرزا خلال مسيرته العامرة، حب الجماهير داخل مملكة البحرين وخارجها، لأخلاقه العالية وقربه من الجميع، إلى جانب تفانيه و عطائه وإخلاصه بالملعب، الأمر الذي جعله محبوباً من كافة المشجعين وزملاءه ومن عاصرهم بالأجهزة الادارية والفنية، وإدارات الاندية.
وبدأ محمد ميرزا عشقه لكرة اليد، من خلال تمثيل ألوان نادي التضامن البحريني، قبل أن ينطلق مع الأهلي بعدها النجمة ليعود ويختتم مسيرة العطاء مع الأهلي، وشهدت رحلة المشاركات مع الأندية، تحقيق ميرزا لقب بطولة آسيا للأندية مع النجمة البحريني بنسختي الهند وإيران، ليسجل أسمه في سجلات "القارة الصفراء" بماء الذهب، كأحد أبطال القارة.
كما مثل المنتخبات البحرينية من المراحل السنية إلى المنتخب الأول، ولعل المحطة المهمة الأولى، كما ساهم ميرزا مع زملائه بالمنتخب، بوصول "قبضة الأحمر البحريني" لأول مرة إلى نهائيات كأس العالم بنسخة السويد 2011 والتي كانت انطلاقة لمشاركات متتالية أكدت مكانة "اليد البحرينية" على المستوى العربي والآسيوي والدولي.
وشهدت رحلة ميرزا مع كرة اليد، معاصرة نجوم وعمالقة اللعبة، حيث زامل جعفر عبدالقادر ومحمد وأحمد عبدالنبي وسعيد جوهر، مرورا بحسين الصياد وشقيقه علي ميرزا، وصولاً للجيل الحالي.
ولم يكن عطاء ميرزا داخل الملعب مقتصراً على الأداء والنتائج، فقد عُرف بالروح القتالية والأخلاق العالية والروح الرياضية، وحافظ على علاقة طيبة مع زملائه ولاعبي الأجيال الجديدة. كما كان قريباً من اللاعبين الصغار، حريصاً على احتوائهم ومساندتهم ونقل خبرته إليهم، ليجسد دور القائد داخل الملعب وخارجه، ويترك أثراً إنسانياً لا يقل أهمية عن إنجازاته الرياضية.
علاقة أخوية
وبين ميرزا ان العلاقة بين الكويت ومملكة البحرين كبيرة، وراسخة جذورها، وبالأخص في الجانب الرياضي، حيث أتاحت له كرة اليد التعرف على الرياضة الكويتية خاصة كرة اليد، بنجومها وأساطيرها وإداراتها بالاتحاد والاندية، وكانت الكويت من الدول الدائمة في دعم الرياضة محليا وخارجية، وخلق له أخوان وأصدقاء يعتز كثيرا بصداقتهم، مشيرا إلى ان الرياضة تقرب بين الشعوب كثيراً.
وبعد سنوات طويلة قضاها في الملاعب، متنقلاً بين الأندية ومشاركاً مع المنتخب البحريني في العديد من الاستحقاقات والمحطات المهمة، جاء قرار إسدال الستار على مسيرته، بعد مشوار حافل بالعطاء والإنجازات والذكريات، حيث وصف ميرزا لحظة اعتزاله، بـ"الصعبة جداً"، وقال: "بعد كل هذه السنوات تتعود على الملعب والتدريب والمباريات، وفجأة تقول: خلاص، انتهى المشوار. بالتأكيد فيها حزن، لكن في الوقت نفسه فيها رضا وفخر بكل ما قدمته".
وبين النجم البحريني، أنه ومنذ فترة، بدأ شعور "اقتراب الوقت" للإعتزال، خصوصاً مع مرور السنوات والإرهاق، وبدأت فكرت التوقف وهو ما زال قادراً على العطاء، بدلاً من الانتظار حتى يفرض الجسم عليه القرار.
واكمل: "أبداً لم يكن القرار سهلاً. أخذ مني الكثير من التفكير، لأن كرة اليد كانت جزءاً كبيراً من حياتي. لكن في النهاية يجب أن تعرف متى تتوقف، وأعتقد أن قراري جاء في الوقت المناسب". وتابع ميرزا، لو عاد بي الوقت من جديد لأخترت كرة اليد مرة أخرى من دور تردد، لأنها أعطتني كل شيء ليس فقط البطولات، إنما الأصدقاء والذكريات والتجارب، وعرفته على أشخاص كثيرين لن ينساهم.
مواجهة السعودية لن تنسى
هناك مباريات كثيرة لا تنسى، خصوصاً المباريات الحاسمة، مثل أول تأهل لنا على حساب السعودية، ونهائي تصفيات الأولمبياد أمام كوريا، وكذلك البطولة التي أقيمت على أرض مملكتنا الغالية البحرين.
وكل بطولة لها طعمها، لكن بالتأكيد البطولات التي حققناها بعد تعب ومنافسة قوية تكون لها قيمة أكبر، مثل التأهل إلى الأولمبياد.
ونحن في البحرين محظوظون بوجود سمو الشيخ ناصر بن حمد وسمو الشيخ خالد بن حمد، بحكم أنهما رياضيان ويحبّان التحدي، وهما من أهم الداعمين للرياضة ويقدّران كل رياضي.
والحمد لله، مرّ عليّ مدربون كثيرون، وكل واحد استفدت منه في جانب معين. هناك مدرب طورني فنياً، وآخر علمني الانضباط، ومدرب كان له دور في شخصيتي، لذلك من الصعب أن أحصر الفضل في شخص واحد.
ولعبت مع لاعبين كثيرين، وكان عندي تفاهم مع أكثر من لاعب. أحياناً لا تحتاج حتى إلى أن تتحدث مع زميلك، تعرف تحركه وهو يعرف تحركك، وهذا الشيء يصنع شراكة جميلة داخل الملعب.
البداية مع "كرزكان"
أول مباراة رسمية لي، كانت مع النادي الأم في "كرزكان" الذي تحول إلى التضامن حالياً. كانت المباراة في النادي الأهلي وعلى الملاعب الخارجية، وسجلت أول هدف لي من الجناح العكسي، وكان الوالد يشاهد المباراة. وعلمني النادي وجعلني أحب اللعبة وأدخل هذا المجال، ولذلك له مكانة خاصة عندي. والنادي الذي ختمت فيه المشوار أيضاً له مكانة كبيرة، لأنه كان الفصل الأخير في مسيرتي.
ولعبت لعدد من الأندية، ومن الصعب أن أختار واحداً قريباً لقلبي فلكل ناد ذكرياته وأهله، وكل محطة أضافت لي شيئاً، وكل مكان لعبت فيه أعتبره جزءاً من مسيرتي.
قميص المنتخب... مسؤولية كبيرة
شيء كبير جداً. عندما تلبس قميص المنتخب تشعر بأن المسؤولية أكبر، لأنك لا تمثل نفسك أو ناديك، وإنما تمثل البحرين كلها. وأنا أفتخر جداً بأنني حصلت على هذه الفرصة.
وأتذكر الحماس والخوف قليلاً، لأن اللعب مع المنتخب له رهبة مختلفة. كنت أحاول أن أركز وأثبت نفسي وأقدم أفضل ما عندي. والمشاركة في كأس العالم لكرة اليد، كان حلماً خاصة وأنك تمثل بلادك في أكبر المحافل العالمية، الشعور لا يمكن وصفه بسهولة، خصوصاً عندما ترى اسم البحرين إلى جانب المنتخبات الكبيرة.
وكل البطولات لها مكانتها، لكن أولمبياد طوكيو لها طابع خاص. وأفتخر أني زاملت الجيل الذهبي.
المباريات التي تقام على أرض البحرين والحاسمة دائماً تكون الأصعب، خصوصاً عندما تكون المباراة تحدد مصيرك في البطولة. الضغط يكون كبيراً، لكن في الوقت نفسه هذه المباريات هي التي تستمتع فيها أكثر.
هناك مباريات أتمنى لعبها مرة أخرى، مثل نهاية تصفيات أولمبياد باريس أمام اليابان، بحكم أن الإصابة منعتني من المشاركة، وكنت أتمنى أن أكون موجوداً وأساعد زملائي، لكن هذا جزء من الرياضة.
عاصرت أكثر من جيل
اللعبة تغيرت كثيراً. أصبحت أسرع، واللاعب صار يهتم أكثر باللياقة والتغذية والتحليل وكل التفاصيل. لكن في النهاية أساس اللعبة لم يتغير، فأنت تحتاج إلى روح الفريق والقتال داخل الملعب. ولعبت مع لاعبين كبار كثيرين، وكل واحد منهم له بصمة وذكرى. لا أحب أن أذكر اسماً وأترك الآخر، لأن كل زميل لعبت معه كان له دور في مسيرتي.
ولا يوجد لاعب معين أستطيع أن أقول عنه أنه الأفضل، لكن الفرق الخليجية فيها تحدٍّ وإثارة أكثر، لأنك تعرف أن المباراة ستكون قوية، وهذا الشيء يجعلك تخرج أفضل ما لديك.
وتعلمت من الجيل الذي سبقني، الالتزام واحترام اللعبة واحترام الفريق، والأهم أن تعطي كل شيء في الملعب. وهذا الشيء حاولت أن أنقله إلى الشباب، وأقول لهم دائماً إن الموهبة وحدها لا تكفي.
وأقول للاعبين الشباب، لا تستعجلوا. خذوا وقتكم وتعلموا من كل شخص حولكم، والتزموا بالتدريب. اللاعب الذي يريد الاستمرار يجب أن يكون لديه صبر ويعمل على نفسه كل يوم.
وأرى ان الجيل الحالي قادر على مواصلة إنجازات كرة اليد البحرينية، فهم لديهم مواهب وإمكانيات، وإن شاء الله يحققون أكثر منا. نحن كجيل سابق انتهى دورنا، والآن الدور عليهم، وأتمنى من قلبي أن أراهم يحققون إنجازات أكبر ويرفعون اسم البحرين.
كلمة أخيرة
أشكر كل من وقف معي خلال مسيرتي، من عائلتي وزملائي ومدربيّ والأجهزة الإدارية والجماهير. كرة اليد أعطتني الكثير، وسأظل أعتز بكل لحظة عشتها داخل الملعب. ربما انتهت مسيرتي كلاعب، لكن حبي لكرة اليد لن ينتهي، وأتمنى أن أظل قريباً من اللعبة وأخدمها بأي شكل من الأشكال.
كما أشكر صحيفة "السياسة" من ادارة التحرير وقسم الرياضة، على اجراء هذا الحوار، الذي افتخر به بعد أن منحتني الصحيفة المساحة الكافية للحديث عن تاريخي مع كرة اليد والذكريات والانجازات، متمنيا لهم التوفيق ولكرة اليد البحرينية والخليجية التقدم والتطور.