'المدن العمالية'... وصفة الكويت السحرية للحد من العشوائية
خبراء أكدوا لـ"السيااسة" أهمية التنسيق بين الجهات لضمان تطبيق الاشتراطات وتحقيق التنمية
حمود عقلة العنزي: الانتقال من مفهوم "إدارة السكن" إلى "إدارة منظومة العمالة"
عبد الرحمن الحسينان: نموذج اقتصادي واستثماري متكامل يحقق عائداً للدولة ويواكب أهدافها
غدير مكي جمعة: حل عمراني يتوافق مع رؤية الكويت 2035 وضوابط "القوى العاملة"
في ظل الحملات الأمنية المكثفة التي شنتها وزارة الداخلية بالتعاون مع جهات حكومية مختصة مؤخرا على بؤر العمالة السائبة، لتنظيم أوضاع العمالة الوافدة في البلاد، تتجدد الدعوات إلى تفعيل مشروع المدن العمالية باعتباره حلا مستداما لمعالجة أوضاع السكن العمالي والحد من مظاهر العشوائية. وأكد مختصون لـ"السياسة" أن نجاح المشروع يتطلب إنشاء مدن عمالية متكاملة، لا تقتصر على توفير السكن، وإنما تستوفي اشتراطات السلامة والصحة العامة والحماية من الحريق، إلى جانب توفير الخدمات الأساسية ووسائل النقل والمرافق اللازمة، بما يحفظ كرامة العامل ويوفر بيئة معيشية ملائمة، ويحقق في الوقت ذاته المتطلبات التنظيمية والأمنية للدولة.
وأشاروا إلى أن تنظيم السكن العمالي وربطه بقاعدة بيانات موحدة تشمل العامل وصاحب العمل وموقع العمل والسكن، من شأنه تسهيل عمليات الرقابة والمتابعة والحد من المخالفات الأمنية والبلدية والصحية، فضلا عن تخفيف الضغط عن مناطق السكن الاستثماري التي شهدت تركزا كبيرا للعمالة خلال السنوات الماضية.
وتباينت رؤى المختصين حول آليات إنجاح المشروع، بين من يرى ضرورة أن تتعامل الدولة مع المدن العمالية باعتبارها مشروعا اقتصاديا واستثماريا متكاملا يحقق عائدا مستداما للدولة، إلى جانب دوره في تنظيم سوق العمل والقضاء على السكن العشوائي، ومن يؤكد أهمية تكامل أدوار الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع، لضمان تحقيق التوازن بين متطلبات سوق العمل وحقوق العمال والاشتراطات القانونية وجودة البيئة العمرانية.
بدوره، أكد رئيس مركز النزاهة الوطني وعضو المجلس البلدي السابق حمود عقلة العنزي أن المدن العمالية تمثل أحد أهم الحلول المستدامة لمعالجة السكن العشوائي وتنظيم أوضاع العمالة الوافدة، شريطة أن تكون جزءا من منظومة متكاملة لإدارة ملف العمالة، وليس مجرد توفير مساكن.
وقال العنزي في تصريح إلى "السياسة" إن الحملات الأمنية الأخيرة التي تقودها وزارة الداخلية بالتعاون مع جهات حكومية تعكس جدية الدولة في معالجة المخالفات، مشيدًا بالجهود المبذولة في هذا الملف، مشيرا إلى أن قضية المدن العمالية ليست جديدة، إذ سبق للمجلس البلدي خلال فترة عضويته أن أقر تخصيص مواقع لإنشائها بعد سلسلة من الاجتماعات وورش العمل مع الجهات المعنية، ما وفر قاعدة تنظيمية يمكن البناء عليها.
وأوضح أن المدينة العمالية الناجحة يجب أن توفر بيئة سكنية متكاملة تستوفي اشتراطات السلامة والصحة العامة والحماية من الحريق، إلى جانب الخدمات الأساسية ووسائل النقل والإدارة الاحترافية، بما يحفظ كرامة العامل ويحقق في الوقت نفسه المتطلبات التنظيمية والأمنية للدولة.
وأضاف أن المدن العمالية تسهم في الحد من المخالفات الأمنية والبلدية والصحية، من خلال توفير سكن منظم وربط العامل بصاحب العمل وموقع العمل والسكن عبر قاعدة بيانات موحدة، الأمر الذي يسهل عمليات الرقابة والمتابعة.
وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم "إدارة السكن" إلى "إدارة منظومة العمالة"، بحيث تشمل عملية التنظيم بيانات العامل ومهنته وصاحب العمل وموقع العمل والسكن والجهة المسؤولة عن متابعته، بما يحقق إدارة أكثر كفاءة واستدامة لهذا الملف.
وأشار إلى أن نجاح مشروع المدن العمالية يتطلب استكمال تنفيذ المواقع التي سبق تخصيصها، وتعزيز التكامل بين وزارة الداخلية والبلدية والهيئة العامة للقوى العاملة والجهات ذات العلاقة، مع إتاحة المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة في تطوير وإدارة وتشغيل المدن العمالية وفق اشتراطات الدولة.
ودعا إلى ربط العمالة في المشاريع الحكومية بالسكن المعتمد، بحيث يصبح توفير السكن جزءًا من التزامات المقاول منذ بداية تنفيذ العقد، إلى جانب تطوير منظومة وطنية لإدارة بيانات العمالة وتصنيفها وربطها بمواقع العمل والسكن، بما يسهم في تنظيم سوق العمل وتحسين التخطيط العمراني والخدمات.
نموذج اقتصادي
من جانبه، يرى الباحث في الشأن العقاري عبدالرحمن الحسينان أن نجاح مشروع المدن العمالية في الكويت لا يتوقف على إنشاء مجمعات سكنية جديدة فحسب، بل على تبني الحكومة له كنموذج اقتصادي واستثماري متكامل، يحقق عائدا للدولة ويواكب في الوقت ذاته أهدافها في تنظيم سوق العمل والقضاء على السكن العشوائي.
وقال الحسينان في لـ"السياسة" إن التجارب الخليجية، ولا سيما قطر والإمارات والسعودية، أثبتت أن المدن العمالية يمكن أن تتحول إلى مدن متكاملة تضم مرافق صحية وأسواقا تجارية وخدمات مصرفية ومناطق ترفيهية، بما يوفر بيئة سكنية وإنسانية مناسبة للعمال، ويخفف الضغط عن المناطق السكنية التقليدية.
وأضاف أن الكويت تمتلك جهات حكومية ذات ملاءة مالية وخبرة استثمارية، مثل المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والأمانة العامة للأوقاف والجهات الحكومية المالكة للأصول العقارية، يمكنها أن تكون شريكا رئيسيا في تطوير هذه المدن، بدلا من الاكتفاء بدور الدولة في تخصيص الأراضي أو تنظيم النشاط.
وأوضح أن دخول هذه الجهات في تطوير المدن العمالية يخلق أصولا عقارية مدرة للدخل، ويوفر للدولة إيرادات مستدامة من الإيجارات والخدمات، مع ضمان جودة الإدارة والصيانة واستدامة المشروع.
وأشار إلى أن ما شهدته منطقة جليب الشيوخ من حملات أمنية وتنظيمية يؤكد أن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي، وأن المرحلة المقبلة تتطلب توفير بدائل حضرية منظمة تستوعب العمالة وفق معايير حديثة، معتبرا أن المدن العمالية تمثل أحد أهم الحلول، شريطة أن تنظر إليها الدولة كمشروع تنموي واستثماري طويل الأجل، لا كمجرد مشروع إسكاني موقت.
وثمن الحسينان الخطوات الاصلاحية للدولة، مشيرا إلى أن الحكومة تمضي بخطوات إصلاحية غير مسبوقة شملت الجوانب الاقتصادية والأمنية والتشريعية، وأسهمت في تصحيح العديد الاختلالات التي تراكمت على مدى سنوات،
"رؤية الكويت 2035"
فيما أكدت رئيس جمعية ريادة الأعمال التنموية غدير عبد المحسن مكي جمعة أن إنشاء المدن العمالية يمثل حلا عمرانيا مستداما، يسهم في تنظيم سكن العمال وتحقيق الالتزام بالتشريعات والضوابط المعمول بها في دولة الكويت، بما يتوافق مع توجهات "رؤية الكويت 2035" وضوابط الهيئة العامة للقوى العاملة.
واكدت اهمية التعامل مع المدن العمالية باعتبارها بيئة متكاملة وليست مجرد أماكن للسكن، بحيث تراعي الجوانب العمرانية والخدمية والصحية والبيئية، وتوفر للعامل البيئة المناسبة للمعيشة، في إطار من التنظيم والرقابة والالتزام بالاشتراطات..
وأضافت أن نجاح هذا التوجه يتطلب توفير مجموعة متكاملة من الخدمات والمرافق داخل المدن العمالية، بما يتناسب مع احتياجات السكان، ويشمل الخدمات الأساسية والوسائل التي تضمن سهولة الوصول إليها، إلى جانب الاهتمام بالنظافة والصحة والسلامة والبيئة، بما يوفر مستوى مناسبا من جودة الحياة.
وشددت على أهمية أن تكون المدن العمالية متوافقة مع القوانين والاشتراطات، وأن تخضع لآليات واضحة للرقابة والمتابعة، بما يضمن استمرار الالتزام وعدم تحولها مع الوقت إلى تجمعات مخالفة. كما أكدت ضرورة وجود تنسيق بين الجهات المعنية لضمان تطبيق الاشتراطات وتحقيق الأهداف التنموية المرجوة من إنشاء هذه المدن.
وأشارت إلى أن تنظيم ملف السكن العمالي يحتاج كذلك إلى ربطه بقواعد البيانات الرسمية، من خلال وجود عنوان سكن عمالي "معتمد ومسجل" ضمن البيانات الرسمية، بما يساعد على تنظيم المعلومات المتعلقة بالعمالة والسكن، ويدعم الجهات المعنية في أعمال المتابعة والرقابة.
وأكدت أن تبني نموذج المدن العمالية المتكاملة يمكن أن يحقق مجموعة من الأهداف العمرانية والاجتماعية والتنموية، من خلال توفير بيئة منظمة للعمال، وحماية المناطق السكنية من الاستخدامات غير المتوافقة مع طبيعتها، وتحقيق الاستخدام الأمثل للأراضي والخدمات.