هل يمكن شراء السمعة؟
نقرأ كل شهر تقريباً، خبراً عن رئيس تنفيذي، أو مسؤول، أو رجل أعمال، أفردت له مجلة عالمية مقابلة، أو وضعته على غلافها، أو وصفته بأنه من أكثر الشخصيات تأثيراً.
ومع تكرار هذه الأخبار، قد يتكون لدى القارئ انطباع، أن هذا الظهور جاء نتيجة قرار تحريري مستقل، وأنه انعكاس طبيعي لمكانة مهنية استثنائية.
لكن الاطلاع على الحزم الإعلانية الرسمية، لبعض المؤسسات الإعلامية يكشف أن الصورة أكثر تعقيداً. فـ"فوربس الشرق الأوسط" مثلاً تعرض لعملائها منتجات إعلامية متعددة، من بينها صفحة
" Advertorial" أي "إعلان تحريري" يقدّم العميل محتواها مقابل 25 ألف دولار اميركي، أو غلاف خاص يلتف حول المجلة مقابل 82,500 دولار، إلى جانب باقات تتيح للشركات تقديم نفسها بوصفها" Thought Leader"، أي "قائد فكري"، من خلال مقابلات، ومحتوى مخصص، وجلسات حوارية، وفرص ظهور متنوعة بمقابل مادي.
ولا يعني ذلك أن كل من يظهر في هذه المجلة، أو تلك دفع مقابل ظهوره، ولا أن قوائمها، أو موادها التحريرية كلها مدفوعة.
والسرطان
الوكالات حكومية
أخبار فيديو
كما أن بيع المحتوى التجاري ليس مخالفة مهنية في حد ذاته، بل نموذج تجاري تتبعه مؤسسات إعلامية عدة حول العالم. لكن الإشكال يبدأ عندما يعجز القارئ عن التمييز، بوضوح، بين ما جاء نتيجة قرار تحريري مستقل، وما كان جزءاً من نشاط تسويقي مدفوع الأجر.
ويُلاحظ أيضاً أن بعض الشخصيات التي تحظى بهذا النوع من الاحتفاء الإعلامي، لا يكون لها حضور عام قائم بالضرورة على مناظرات مفتوحة، أو جلسات أسئلة غير معدة مسبقاً، أو حوارات طويلة تُختبر فيها الأفكار، أمام جمهور متخصص. بل يتركز هذا الحضور في كلمات مكتوبة، أو مقابلات شديدة التنظيم، تُعد بعناية بالتعاون مع إدارات التسويق والعلاقات العامة.
وهنا يصبح من الصعب معرفة ما إذا كان الظهور الإعلامي يعكس ثقلاً مهنياً قائماً بذاته.
ويشبه الأمر نادياً رياضياً يستأجر جمهوراً لملء المدرجات في مباراة واحدة، ثم يستخدم صور المدرجات الممتلئة لاحقاً باعتبارها دليلاً على شعبيته الجارفة. فالصور حقيقية، والجمهور موجود بالفعل، لكن الانطباع الذي تتركه الصورة قد لا يعكس الحقيقة.
ومن هنا، ربما يجدر بالجهات الحكومية أن تضيف سؤالاً بسيطاً قبل إصدار بيانات التهنئة لمسؤول "احتفت به" مجلة دولية:
هل كان هذا الظهور نتيجة قرار تحريري مستقل، أم كان جزءاً من منتج إعلامي تجاري؟
فالإجابة لا تعني بالضرورة التقليل من الشخص أو إنجازاته، لكنها قد تغيّر طريقة قراءة الخبر، خصوصاً إذا كانت جهة حكومية قد دفعت تكاليف الظهور لمادة تجارية، قد تُقرأ لدى الجمهور باعتبارها إشادة تحريرية مستقلة.
في النهاية، السمعة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأغلفة، بل بقدرة صاحبها على الدفاع عن أفكاره، وإنجازاته، أمام أسئلة لا يكتبها بنفسه، ولا يختارها فريق العلاقات العامة نيابة عنه.