«رويترز»: شبكة إيرانية تعمل في الخفاء تجلب العتاد وتتجاوز الحصار الأميركي

- الواردات تشمل مكونات ضرورية لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة
- كيانات كثيرة تأسست في 2013 بالتزامن مع احتدام تأثير العقوبات على اقتصاد إيران
لندن - رويترز - خلص تحقيق أجرته «رويترز»، إلى أن إيران أنشأت شبكة من الكيانات العسكرية السرية ذات امتداد عالمي لاستيراد معدات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة بما لا يقل عن ملياري دولار منذ يناير الماضي، متجاوزة الحصار البحري الأميركي والعقوبات الغربية.
وتحمل تلك الكيانات التي تعمل في الخفاء أسماء تبدأ بحروف «ودجا» وهي اختصار لوزارة الدفاع الإيرانية.
ويشكل ما يزيد على 5000 كيان منظومة مالية وعسكرية ضخمة. ويمكن تتبع معاملاتها المالية في بوالص الشحن وغيرها من بيانات الاستيراد التي تعود لعام 2016. ويرتبط بعضها بالحرس الثوري وبمجموعات تجارية تعرف باسم «البُنياد» وتخضع لسيطرة النخبة الإيرانية.
في الأشهر الـ 18 من يناير 2025 إلى يونيو 2026، وهي فترة تشمل الأشهر الأربعة الأولى من حرب هذا العام، استوردت جهة واحدة فقط من هذه الكيانات، وهي «ودجا» 346428، كميات ضخمة من وقود الصواريخ والمتفجرات ومكونات الأسلحة الضرورية لتصنيع الطائرات المسيرة والصواريخ، فضلاً عن شاحنات ثقيلة يمكن استخدامها كمنصات لإطلاق الصواريخ. ووصلت هذه المعدات إلى إيران براً وبحراً وجواً، وأظهرت سجلات أن جزءاً كبيراً منها جاء من الصين وروسيا وألمانيا.
وتتخذ جميع الكيانات السرية عنواناً واحداً في طهران هو نفسه عنوان وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة، وتدرج هذه الوكالات تاريخ تأسيسها في 11 فبراير 1979، وهو اليوم الذي تولى فيه آية الله الخميني السلطة في إيران بعد الإطاحة بنظام الشاه. لكن السجلات تظهر أن معظم هذه الكيانات تأسست فعلياً عام 2013، بينما كانت طهران ترزح تحت وطأة العقوبات التي أدت إلى تراجع صادراتها من النفط الخام وانهيار عملتها.
تشكل هذه الكيانات، التي حددتها «رويترز» للمرة الأولى بالتعاون مع شركة «240 أناليتكس» الإسرائيلية - الأميركية لاستشارات المخاطر، العمود الفقري لمنظومة إيران للمشتريات العسكرية والتحايل على العقوبات. وتدير هذه الكيانات شبكة من أشخاص يعملون كواجهات وشركات صورية أجنبية، يُعرفون باسم «الأمناء»، ويستخدمون عائدات مبيعات النفط غير المشروعة لشراء سلع لصالح الجمهورية الإسلامية.
ويستخدم الشبكة قادة عسكريون كبار منخرطون في برامج إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. كما تظهر أرقام هواتف مسجلة باسم 91 من هذه الكيانات في سجلات بنك «سبه» الحكومي الخاصة بأفراد من الحرس لديهم حسابات في البنك. ومن بين هؤلاء قائدان على الأقل اتهمتهما الولايات المتحدة بارتكاب انتهاكات بحق محتجين مدنيين.
وفي حين يخضع الجيش الإيراني منذ عقود لعقوبات أميركية متعددة، لم تجد «رويترز» أي دليل على أن أياً من الكيانات المذكورة في الوثائق قد تم ادراجها على قوائم العقوبات الغربية.
وقال مياد مالكي، المسؤول رفيع المستوى السابق في وزارة الخزانة الأميركية، الذي ساعد في وضع برنامج العقوبات على إيران «ما نراه هنا هو شريان الحياة العسكري للنظام خلال هذا الصراع ولسنوات عديدة قبله. هذه هي المنظومة المتكاملة بأكملها للأعمال التجارية للجيش الإيراني».
ووفرت شبكة استيراد الأسلحة، كثيراً من المواد الخام التي تحتاجها طهران لصنع الصواريخ والطائرات المسيرة. وهذه الأسلحة مسؤولة عن هجمات إيران المتواصلة على منشآت للطاقة في الخليج.
وكان مالكي واحداً من أربعة خبراء في العقوبات على إيران والأسلحة اطلعوا على نتائج تحقيق «رويترز»، وأكدوا أن كثيرا من هذه المواد يمكن استخدامها في برامج للصواريخ والطائرات المسيرة.
وفي إطار تتبعها للواردات، راجعت «رويترز» جزءاً من نحو 19 ألف سجل استيراد بمقارنتها بوثائق الشحن، ومقاطع مصورة من وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير وسائل الإعلام الرسمية. وتظهر البيانات أن جميع المواد التي استوردتها إيران تقريباً كانت معفاة من الرسوم الجمركية، ومصنفة على وجه التحديد على أنها معدات عسكرية.
وأشار الخبراء إلى أن كثيرا من الواردات، حتى المتفجرات، يمكن اعتبارها مزدوجة الاستخدام، ومن ثم يمكن أن تكون لها أيضا استخدامات مدنية.
ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريرا عن بعض الشحنات القادمة من الصين في 23 سبتمبر الماضي.
وقال مالكي، الذي كان حتى العام الماضي المدير المساعد لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية، إن الكيانات العسكرية السرية تشكل نظاماً للتجارة الخارجية موازياً للاقتصاد العالمي الرسمي، يتيح لإيران إنفاق الأموال التي تجنيها في الخارج من مبيعات النفط غير مشروعة على المعدات العسكرية.
ونادراً ما تعبر الأموال، الحدود، إذ قد يؤدي ذلك إلى إطلاق إنذار بشأن انتهاك العقوبات.
وبدلاً من ذلك، أظهرت بيانات الاستيراد أن معاملات 97 في المئة من الشحنات التي راجعتها «رويترز» جرت تسويتها «من دون تحويل أموال». وكان وسطاء موثوق بهم من الإيرانيين المقيمين في الخارج يشترون السلع باستخدام أموال مودعة في بنوك أجنبية ثم يشحنونها إلى إيران.
ومن بين الجهات التي تحصل على احتياجاتها عبر هذه الشبكة، الوحدة العسكرية المشرفة على برامج إيران للصواريخ الباليستية. ومن بينها أيضاً شركة «تندر صحرا» (رعد الصحراء)، التي فرضت عليها واشنطن عقوبات في عام 2024 لتصنيع وتوريد طائرات مسيرة إلى روسيا أحدثت دماراً في أوكرانيا.
وتوصلت «رويترز» وشركة «240 أناليتكس» إلى الوحدات العسكرية الإيرانية من خلال مطابقة بيانات الاستيراد مع سجلات الشركات ورسائل بريد إلكتروني ووثائق جمعها موقع «ويكي إيران».
ولم تتمكن الوكالة من تحديد هوية القائمين على «ويكي إيران»، وهو موقع إلكتروني يستقبل وثائق مسربة من الجمهورية الإسلامية، ويؤكد أن إيرانيين معارضين للحكومة «أُجبروا على العيش في المنفى» هم من يديرونه.
ووفقاً لقواعد بيانات الواردات خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام، فقد شملت الشحنات صواعق تفجير بقيمة 1.9 مليون دولار وأطناناً من المتفجرات وأجزاء لمحركات طائرات ومكونات لوقود الصواريخ ومركبات إطلاق ثقيلة.
وقال خبراء في الأسلحة والعقوبات، إن جميع هذه المواد يمكن استخدامها كمكونات رئيسية لصنع وإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بما في ذلك طائرات «شاهد».
وقال بيتر سالزبري، الأستاذ المساعد غير المتفرغ في جامعة كولومبيا الذي أمضى السنوات القليلة الماضية في دراسة عمليات نقل الأسلحة الإيرانية وسلاسل توريدها «يبدو أن هذا جهد واسع النطاق لإعادة بناء أو توسيع ترسانة إيران الحالية» من الطائرات المسيرة والصواريخ.
واستهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل، عمليات إيران المتعلقة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة منذ بداية حرب هذا العام في 28 فبراير، بما في ذلك مصانع، ذكرت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أنها كانت تنتج ذخائر.
ولم تتمكن "رويترز" من تحديد حجم الأضرار، لكن طهران واصلت استهداف جيرانها والسفن التي تحاول عبور مضيق هرمز.
ودخلت الورادات إلى إيران على متن سفن شحن عبر بحر قزوين من روسيا، وبالشاحنات من آسيا الوسطى، وعلى متن طائرات شحن من الصين، وفقاً لبيانات الاستيراد ووثائق حصلت عليها الوكالة.
ورداً على أسئلة مفصلة بشأن ما توصلت إليه «رويترز»، أعلنت وزارة الخارجية الصينية أنها «ليست على علم بالوضع الذي تصفونه».
وتابعت في بيان أرسلته بالفاكس «نرفض بشدة محاولات الربط بسوء نية بين الأعمال القتالية في المنطقة وبين الصين أو تشويه سمعة الصين».
وعلاوة على المكونات المنفردة، تشتري إيران آلات دقيقة يمكن استخدامها لتصنيع معداتها العسكرية بنفسها. وتشمل المشتريات على مواد مصنفة على أنها مخارط متطورة تعمل بالتحكم الحاسوبي، وأفران تعمل بحزم الإلكترونات ومسرعات جسيمات، وفقاً لبيانات الاستيراد التي تغطي الفترة حتى يونيو.
ولكل هذه المعدات استخدامات صناعية ويمكن استخدامها أيضا في تصنيع معدات عسكرية، بما في ذلك هياكل الطائرات المسيرة والصواريخ.
وبالإضافة إلى مالكي، ضمت قائمة خبراء الأسلحة ولف كريستيان بايس وهنري تومسون، وهما متخصصان في إمدادات الأسلحة الإيرانية، وداميان سبليترز، مؤسس هيمدال، وهي منظمة متخصصة تركز على سلاسل الإمداد غير المشروعة ومشتريات الأسلحة.
وقال نوام بينستوك، كبير المحللين في 240 أناليتكس، التي تجمع وتحلل بيانات مخاطر الإرهاب وتمويله لصالح عملاء من الشركات والحكومات «هذه الكيانات التي تحمل أرقاماً هي بمثابة البنية التحتية الخفية لشبكة الجمهورية الإسلامية للالتفاف على العقوبات الدولية، وما هو أكثر من ذلك بكثير».
وتابع «حجم الأموال التي تمر عبر هذه الجهات مذهل، ولم يسبق لأحد أن انتبه إليها».
وأضاف بينستوك، وهو خبير اقتصادي يبلغ من العمر 35 عاماً، إنه اكتشف الكيانات في يونيو 2025 أثناء تحميل آلاف الصفحات من وثائق بنك "سبه" المتاحة مجاناً على «ويكي إيران»، على منصة 240 أناليتكس الإلكترونية.
وأعلنت جماعة تُدعى «كود بريكرز» مسؤوليتها عن اختراق البنك، ثم أعلنت لاحقاً عن تنفيذ عمليات أخرى للاستيلاء على بيانات حكومية إيرانية.
وذكر «ويكي إيران» في رد عبر البريد الإلكتروني على أسئلة من «رويترز» بشأن البيانات «يمكننا أن نؤكد أن المواد أصلية وأن مصدرها جرى التحقق منه من خلال مصادرنا واتصالاتنا داخل إيران وخارجها».
وأوضح بينستوك أنه اعتقد أن الوثائق ستساعد في كشف العمليات المالية لإيران. لكنه سرعان ما أدرك أن آلافا من تلك الحسابات تعود لجهات تتبع نمط التسمية ذاته. وكانت جميع أسمائها تبدأ بالحروف «ودجا»، يليها رقم مكون من خمسة أو ستة أرقام يُكتب بالحروف وليس الأرقام. كما كانت جميعها مسجلة في التاريخ نفسه وعلى العنوان نفسه.
وتابع بينستوك انه عندما رأى للمرة الأولى حجم أرصدة الحسابات في بنك سبه، اعتقد أنه أخطأ في موضع العلامة العشرية. ووجد أن 36 من هذه الكيانات لديها حسابات بالنقد الأجنبي بلغت ودائعها 1.2 مليار دولار في نهاية عام 2024.
وكانت بقية الشبكة تمتلك نحو 1.8 مليار دولار بالعملة المحلية، بمتوسط نحو 360 ألف دولار لكل حساب.
وكان من الممكن أيضاً التعرف على كل جهة تابعة لوزارة الدفاع من خلال رقم تعريف حكومي فريد مكون من 11 رقماً، كما كانت هذه الجهات مدرجة في السجل التجاري الإيراني، وهو قاعدة بيانات رسمية تضم آلاف الشركات.
وأدرك بينستوك أن رقم التعريف المكون من 11 رقماً أو رقم وزارة الدفاع نفسه كان يظهر مراراً في بوالص الشحن والفواتير والحسابات المصرفية، ما أتاح تتبع الشبكة حتى عندما كانت الجهة تعمل من خلال شركة واجهة.
وعندها تواصلت 240 أناليتكس مع «رويترز» للمساعدة في رسم خريطة لشبكة الكيانات. وباستخدام الأرقام التعريفية المكونة من 11 رقماً التي قدمها بينستوك، راجعت "رويترز" وثائق شحن سرية وبيانات حديثة عن الواردات، واستعانت بسجل الشركات الإيراني للكشف عن نطاق الشبكة وكيف مكّنت إيران من تجديد مخزوناتها خلال الحرب.
وبرزت جهة واحدة تعود مشترياتها إلى عام 2016، وهي التي تحمل الرقم التعريفي ودجا 346428.
وزادت مشتريات ودجا 346428 من الخارج باطراد على مر السنين، من 442 مليون دولار في الـ 12 شهراً المنتهية في مارس 2023 إلى 989 مليون دولار في العام التالي، وفقاً لإحصاءات جمركية نشرتها وسائل إعلام إيرانية. ووضع ذلك هذه الجهة ضمن أكبر عشرة مستوردين في إيران.
ووجدت رويترز أن ودجا 346428 استوردت عتاداً عسكرياً بقيمة 2.3 مليار دولار في الفترة من يناير 2025 حتى يونيو 2026، وفقاً لسجلات قدمتها إمبورت جينيوس، وهي منصة تجمع بيانات الاستيراد والتصدير.
وتظهر بيانات الاستيراد أن ودجا 346428 استوردت، في الفترة بين يناير وأبريل 2025، 886 طناً من المواد الكيميائية عبر مجمع ميناء بندر عباس. وأشارت البيانات إلى أن منشأ هذه المواد هو الصين، وأنها تندرج تحت بند جمركي يشمل كلورات الصوديوم وأنواعاً أخرى من البيركلورات، وهي مواد أولية رئيسية تدخل في إنتاج وقود الصواريخ الصلب.
وقال شخصان على دراية بانفجار 26 أبريل إنه نجم عن اشتعال مادة بيركلورات الصوديوم أثناء وجودها داخل حاويات شحن على رصيف الميناء. وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن شركة سينا لتطوير خدمات الموانئ والخدمات البحرية كانت تخزن المواد الكيميائية.
وقتل الانفجار ما لا يقل عن 70 شخصاً وأصاب أكثر من 1200. وقال الرئيس التنفيذي لشركة سينا آنذاك إن الانفجار نجم عن «معلومات غير صحيحة» بشأن محتويات شحنة سُلّمت «من دون وثائق أو بطاقات تعريف».
ولم تتمكن "رويترز" من تحديد ما إذا كانت المواد الكيميائية الواردة في الشحنة التي تزن 75 طنا هي التي تسببت في الانفجار.
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مؤسسة مستضعفان في عام 2020. ورغم أنها تُقدم نفسها باعتبارها مؤسسة خيرية لخدمة الفقراء، ذكرت وزارة الخزانة الأميركية إنها تُستخدم من جانب الزعيم الأعلى لإثراء مكتبه ومكافأة حلفائه.
ويتولى حسين دهقان إدارة المؤسسة، وكان قد عُين وزيراً للدفاع في عام 2013، عندما بدأ نشاط معظم هذه الكيانات.
وشغل دهقان هذا المنصب لمدة أربع سنوات. وقبل ذلك، كان قائداً لقوات الحرس الثوري في لبنان خلال التفجير الدامي الذي استهدف قوات حفظ السلام الدولية في بيروت عام 1983، والذي أسفر عن مقتل 241 جنديا أميركياً و58 مظلياً فرنسياً ومدنيين لبنانيين، وفقاً لبيان الخزانة الأميركية بشأن العقوبات المفروضة عليه. وحملت الولايات المتحدة إيران مسؤولية الهجوم.
وإلى جانب المكونات التي يمكن استخدامها في تصنيع وقود الصواريخ، تظهر البيانات أيضا أن إيران تستورد شاحنات ثقيلة، يستخدمها الجيش كمنصات إطلاق متنقلة مموهة للصواريخ والطائرات المسيرة.
وتبين لبينستوك في وقت مبكر مثال على تلك الواردات. ففي خريف عام 2022، اشترى تاجر سيارات إيراني يعيش في إيطاليا ست شاحنات مقابل 426 ألف يورو، وفقاً لسجلات من «ويكي إيران». وشحن الشاحنات إلى شركة أخرى، والتي تولت بدورها إيصالها إلى ميناء بندر عباس.
وكان الرقم التعريفي المكون من 11 رقماً للمشتري النهائي يعود إلى ودجا 346428. ووفقاً لقائمة الشحن، جرى في نهاية المطاف تسليم الشاحنات إلى صحرا تندر، التي تؤدي دوراً رئيسياً في تصنيع وبيع طائرات شاهد الإيرانية المسيرة.
ولم ترد ديلمي على طلب للتعقيب على الصفقة.
وفي الفترة بين يناير 2025 ويونيو 2026، استوردت ودجا 346428 عدداً إضافياً من شاحنات بلغ 435. وباستخدام صور الأقمار الاصطناعية ووسائل التواصل الاجتماعي، تتبعت رويترز بعض هذه الشاحنات إلى ساحة تابعة للجمارك على مشارف طهران في فبراير 2025، واستخدمت بيانات الاستيراد لمطابقة أرقام تعريف ثلاث من المركبات، وهي رموز فريدة تحدد الشركة المصنعة للمركبة ومنشأها.
وظهرت شاحنة أخرى من النوع نفسه خلال الحرب، عندما نشرت القيادة المركزية الأميركية مقطعاً مصوراً على وسائل التواصل الاجتماعي في مارس، أعلنت أنه يظهر ضربة استهدفت منصة إطلاق صواريخ إيرانية متنقلة كانت مموهة.
ولم تتمكن رويترز من تحديد ما إذا كانت الشاحنة من بين تلك التي استوردتها ودجا 346428. لكن محللين في شركة «جينز» البريطانية المتخصصة في معلومات الدفاع المستقاة من المصادر المفتوحة قالوا إن الشاحنة التي يظهر المقطع تدميرها من طراز تستورده إيران.
وباستخدام ودجا 346428، استوردت إيران أيضاً آلاف الشاحنات، التي يعدلها الحرس وجماعات مسلحة موالية له لتثبيت رشاشات ثقيلة على صناديقها الخلفية.
وتظهر لقطات مصورة من احتجاجات شهدتها إيران في وقت سابق من هذا العام قوات أمن ترافقها مركبات مزودة بمدافع رشاشة ضمن رتل من سيارات يجوب شوارع مدينة تنكابن في شمال البلاد.
وفي التاسع من فبراير 2026، وصلت سفينة إلى بندرعباس تحمل 93 طناً من التيتانيوم الصيني الخام، وهو معدن شديد الصلابة قال خبراء في الأسلحة والعقوبات إنه يمكن استخدامه في تصنيع هياكل الصواريخ وأغلفة محركاتها.
وفي المجمل، وعلى مدار الشهر السابق لاندلاع الحرب في 28 فبراير، نقلت سفن أيضاً ما مجموعه 268 طناً من النيتروسليلوز و276 طناً من مواد كيميائية أخرى من الصين مدرجة تحت البند الجمركي الذي يشمل البيركلورات، وهي مكونات تدخل في تصنيع وقود الصواريخ والمتفجرات.
وحتى مع احتدام الحرب وفرض حصار على السفن الإيرانية، واصل الجيش الإيراني جلب مواد من الخارج. ووفقاً للبيانات، هبطت أحجام الواردات الشهرية في البداية 47 في المئة إلى 54 مليون دولار في مارس مقارنة بالشهر السابق، لكنها ارتفعت بحلول مايو إلى 77 مليون دولار.
وفي يونيو 2026، وصلت شحنة روسية من الصواعق بقيمة 1.9 مليون دولار، وهي أدوات يمكن استخدامها لتفجير مواد شديدة الانفجار مثل تلك الموجودة في الرؤوس الحربية للطائرات المسيرة والصواريخ، وكانت الأخيرة من بين خمس شحنات روسية مماثلة بقيمة إجمالية 7.6 مليون دولار منذ بداية عام 2025.
ولم تأت الواردات من روسيا والصين فحسب. فقد قامت شركات في الاتحاد الأوروبي، الذي فرض عقوبات على وزارة الدفاع الإيرانية، بشحن بضائع أيضا إلى الجيش الإيراني.
وأظهرت بيانات الاستيراد أن شاحنات ومكونات لمحركات طائرات وإلكترونيات بمئات الملايين من الدولارات، من بينها شاحنات بقيمة 34 مليون دولار، جاءت جميعها من ألمانيا وأماكن أخرى في الاتحاد الأوروبي. وأدرجت المستندات الخاصة بها جميعا تحت اسم ودجا 346428.
ولم تتضمن جميع بيانات الاستيراد أوصافاً تفصيلية للشحنات. وفي حالات كثيرة، اعتمدت «رويترز» على الرموز الجمركية لتحديد محتوياتها ومناشئها المعلنة دون أن تتمكن من التحقق منها بشكل مستقل.
وقال ناطق باسم الاتحاد الأوروبي إن الدول الأعضاء مسؤولة عن إنفاذ عقوبات التكتل، التي تشمل "صحرا تندر" وغيرها.
يخضع جزء كبير من الاقتصاد الإيراني لسيطرة مؤسسات شبه حكومية تُعرف باسم (البُنياد) بالفارسية، والتي يديرها أفراد من النخبة.
وتأسس الكثير منها بعد الثورة الإسلامية عام 1979 باستخدام أصول صودرت من أسرة الشاه المخلوع ومن أشخاص آخرين اعتُبروا أعداء للدولة الجديدة.
ووفقاً لتحقيق أجرته "رويترز" عام 2013 ووثائق متعددة بشأن العقوبات صادرة عن الحكومة الأميركية، تستخدم النخبة الإيرانية مؤسسات البُنياد للحفاظ على قبضتها على السلطة، من خلال ربط المسؤولين الموالين لها بشبكة واسعة من المحسوبية.
وتؤكد الولايات المتحدة وأوروبا في عقوبات فرضتها على مدى سنوات، ان مؤسسات البُنياد، مثلها مثل الحرس، تؤدي دوراً محورياً في القمع العنيف للإيرانيين منذ سنوات.
وتوضح إحدى هذه المؤسسات، وهي مؤسسة الحفاظ على الآثار ونشر قيم الدفاع المقدس، مدى تغلغل شبكة وزارة الدفاع في الاقتصاد الإيراني وفي جهاز القمع. ولا تشمل المعاملات الواردات فحسب، بل تشمل أيضاً تحويلات نقدية داخلية، وفقاً لما اطلعت عليه «رويترز» في وثائق تعود إلى سنوات وتربط المؤسسة بكيانين منفصلين على الأقل تابعين لوزارة الدفاع.
وتتولى المؤسسة مهمة الترويج «لثقافة المقاومة والتضحية والجهاد والشهادة»، وهي ذراع دعائية رئيسية للحكومة ومسؤولة عن الحفاظ على شرعية الجمهورية الإسلامية وأيديولوجيتها.
وفي 2017، تسلمت المؤسسة أربع شحنات من الأجهزة الإلكترونية ووحدات التبريد، وفقاً لبيانات ويكي إيران. ومرة أخرى، تطابق رقم التعريف المسجل على الشحنات مع الكيان ودجا 346428.
ولا يُعرف كيف استخدمت المؤسسة هذه المواد، لكن قيادتها تضم قادة كباراً في الحرس في كل من أقاليم إيران البالغ عددها 31. وفي خوزستان، يشمل ذلك البريغادير جنرال حسن شاهوار بور، القائد منذ فترة طويلة لقوات النخبة التابعة للحرس في المنطقة المضطربة.
ووفقاً لوثيقة عقوبات أميركية، قتلت وحدات خاضعة لقيادة شاهوار بور ما لا يقل عن 100 مدني إيراني في ماهشهر عام 2019 خلال احتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود. وذكرت الولايات المتحدة إن هذه الوحدات حاصرت أشخاصا كانوا يحاولون الفرار باستخدام مركبات مدرعة وأطلقت نيران الرشاشات على الحشود.
وقال ناشط حقوقي محلي، شهد عمليات القتل، أن قوات شاهوار بور أضرمت بعد ذلك النار في حقول قصب السكر التي كان يختبئ فيها بعض المحتجين الفارين. وأيد روايته ناشط ثان كان موجودا في ذلك اليوم.
وعام 2021، طلب شاهوار بور 50 مليار ريال إيراني، كانت تعادل آنذاك أكثر من مليون دولار وفقاً لسعر الصرف الرسمي، من شركة للصلب مملوكة للدولة لتمويل مبنى جديد للحرس الثوري في خوزستان، وذلك وفقاً لوثيقة اطلعت عليها "رويترز".
وكان صاحب الحساب الذي كان من المقرر إيداع الأموال فيه، وفقاً لمستندات تحمل توقيعه، هو الكيان ودجا 424000.
وفي بداية هذا العام، سحق رجال شاهوار بور احتجاجات جديدة في خوزستان كانت جزءاً من انتفاضة على مستوى البلاد احتجاجاً على الانهيار الاقتصادي، وفقاً لناشطين. وفي أنحاء إيران، قُتل الآلاف وسُجن عشرات الآلاف.
وفي خوزستان، قال الناشطان إنهما وثقا أسماء 46 قتيلاً، وإن معظمهم قُتلوا يومي الثامن والتاسع من يناير عندما فتح الحرس النار على المتظاهرين.
وتظهر لقطات بثتها وسائل الإعلام الرسمية من عرض أُقيم في وقت سابق من هذا العام قوات الحرس التابعة لشاهوار بور وهي تجوب بلدة في خوزستان في شاحنات بيضاء من النوع الذي تفضله شبكة وزارة الدفاع. وكانت إحدى الشاحنات تحمل طائرة شاهد مسيرة وردية زاهية.
كشف تحقيق دولي عن شبكة إيرانية سرية لاستيراد العتاد العسكري