«تحرير الكويت»... ذاكرة خالدة في قلب واشنطن

- المراسم جرت بحضور السفيرة الزين الصباح وحشد من المسؤولين والدبلوماسيين
- المناسبة تستحضر تضحيات التحرير وتوثّق محطة تاريخية في العلاقات الكويتية الأميركية
- وزير الدفاع استذكر ما قدمته القوات المشاركة في التحرير من تضحيات وبطولات
- الصرح يمثل إرثاً تاريخياً يُجسّد قِيَم التضامن ويؤكد أهمية صون الذاكرة ونقلها إلى الأجيال
- تكريم المُحاربين المشاركين في «عاصفة الصحراء» و«درع الصحراء» وذوي الجنود الذين قتلوا فيهما
- الحفل تخلله تقديم أغنية كويتية تتحدث عن الحرية وتعبر عن شكر وامتنان الكويت للولايات المتحدة
- النصب التذكاري يقع عند تقاطع شارعي 23 وجادة «كونستيتيوشن» في مكان بالغ الأهمية بواشنطن
- الموقع يمثل في جوهره نقطة التقاء تجمع بين رمزية «كونستيتيوشن» والدبلوماسية الممثلة بالشارع 23
بعد 35 عاماً على تحرير الكويت، بات لتضحيات قوات التحالف الدولي شاهدٌ جديد في قلب العاصمة الأميركية، مع إزاحة الستار عن النصب التذكاري لعمليتي «درع الصحراء» و«عاصفة الصحراء» في متنزه «ناشونال مول» بواشنطن، تخليداً لذكرى المشاركين في حرب التحرير العام 1991.
وشهد وزير الدفاع الشيخ عبدالله علي عبدالله السالم الصباح مراسم الافتتاح، بحضور سفيرة الكويت لدى الولايات المتحدة الشيخة الزين الصباح، وحشد من المسؤولين والدبلوماسيين والمحاربين القدامى وذويهم، في مناسبة تستحضر تضحيات التحرير وتوثّق محطة تاريخية في العلاقات الكويتية - الأميركية.
وذكرت مديرية التوجيه المعنوي بوزارة الدفاع، في بيان اليوم الأحد، أن الشيخ عبدالله العلي الصباح اطلع خلال المراسم على ما يتضمنه النصب التذكاري من معانٍ تاريخية، تجسد تضحيات قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ودورها في تحرير دولة الكويت عام 1991.
وأضاف البيان أن وزير الدفاع استذكر خلال المراسم ما قدمته القوات المشاركة من تضحيات وبطولات، وما يمثله هذا الصرح من إرث تاريخي يجسّد قيم التضامن والتعاون، ويؤكد أهمية صون هذه الذاكرة التاريخية ونقلها إلى الأجيال القادمة، إذ يعكس النصب التذكاري عمق العلاقات التاريخية والروابط الوثيقة بين البلدين الصديقين.
وأقيمت مراسم افتتاح النصب التذكاري بحضور حاشد ضم عدداً كبيراً من المسؤولين الأميركيين وأركان السفارة الكويتية في واشنطن، إضافة إلى شخصيات ثقافية وسياسية ودبلوماسيين من العديد من الدول ومجموعة كبيرة من المحاربين القدامى وذويهم.
وتخلل الاحتفال تكريم للمحاربين الذين شاركوا في عمليتي «عاصفة الصحراء» و«درع الصحراء» وذوي الجنود الذين قتلوا فيهما، كما تخلله تقديم أغنية كويتية تتحدث عن الحرية وتعبر عن شكر وامتنان دولة الكويت لدعم الولايات المتحدة في حرب التحرير.
ويقع النصب التذكاري عند تقاطع شارعي 23 وجادة (كونستيتيوشن) في مكان بالغ الأهمية بالعاصمة واشنطن، إذ يمثل في جوهره نقطة التقاء رمزية تجمع بين رمزية جادة (كونستيتيوشن) والدبلوماسية (مقر وزارة الخارجية الأميركية) التي يمثلها شارع 23.
وتمتد من مبنى الكابيتول الأميركي باتجاه نصب لينكولن التذكاري والمنطقة الغربية ليشكل رابطاً مادياً ورمزياً بين القلب التشريعي للبلاد وبين مثلها التأسيسية والنصب التذكارية الرئاسية، كما تصطف على جانبي الشارع مبان فيدرالية ضخمة أبرزها مبنى الأرشيف الوطني الذي يضم «وثائق الحرية» (إعلان الاستقلال والدستور الأميركي ووثيقة الحقوق).
أعرب وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم، عن شكر وامتنان بلاده لدولة الكويت بشكل خاص على دعمها السخي للمساهمة في إنشاء الصرح التذكاري لعمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء في قلب العاصمة واشنطن الذي يكرم تضحيات القوات الأميركية وقوات التحالف في حرب تحرير دولة الكويت في عام 1991.
وقال بورغوم، في كلمة خلال الحفل، إنه «يوم للوطنية ويوم للذكرى ويوم للامتنان وهو أيضاً يوم للاحتفال.. نحن نحتفل بالطبع بإنشاء هذا النصب التذكاري الرائع والجميل. ونعبر عن امتناننا لأصدقائنا وحلفائنا وهم كثر هنا، وبشكل خاص دولة الكويت.. شكراً جزيلاً لبلدكم على الدعم الهائل لبناء هذا النصب الذي يذكرنا بكيفية عملنا معاً». وأشار إلى أن «هذا الصرح التذكاري استغرق سنوات من الرؤية الثاقبة والعمل الدؤوب والالتزام، لتجاوز عقبات تحقيق هذا المشروع على أرض الواقع الذي سيخلد تضحيات قدامى محاربي درع الصحراء وعاصفة الصحراء، في عاصمة أمتنا وفي ساحة نصبنا التذكاري الوطني».
وتابع «نقف اليوم وقفة تأمل وإجلال لتلك الأرواح الشجاعة التي خدمت وطنها ولأولئك الذين فقدوا حياتهم سواء من سقطوا خلال العمليات القتالية في (عاصفة الصحراء) وهو ما يرمز إليه إكليل الزهور على اليمين، أو من ضحوا بحياتهم خلال مرحلة (درع الصحراء) وهو ما يرمز إليه إكليل الزهور على اليسار». وأضاف «نحن نكرم هؤلاء المحاربين القدامى، ليس لمجرد أنهم خاضوا القتال بل من أجل القضية التي حاربوا لأجلها، فقد قاتلوا في سبيل الحرية وحاربوا لتحرير شعب الكويت ودعم أصدقائنا وحلفائنا في المنطقة».
وأشار إلى أهمية الموقع الذي يحتله الصرح التذكاري لعمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء في منطقة الجلوس الممتدة لنصب (ابراهام لينكولن) التذكاري الذي يعد أحد أشهر النصب التذكارية، وأكثرها زيارة في العالم حيث يزوره نحو 40 مليون زائر سنوياً. وقال إن «النصب التذكارية - مثل ذلك الذي نكرسه اليوم - هي تجسيد ملموس لفخرنا وامتناننا لكل من خدموا وطنهم، ولكل من قدموا أغلى ما لديهم من تضحية وتفان... لقد أصبح هذا النصب التذكاري اليوم إرثاً وطنياً وأمانة في أعناقنا جميعاً».
وأوضح أن «وزارة الداخلية الأميركية وإدارة المتنزهات الوطنية ستتولى رسمياً منذ اليوم الأول لافتتاح هذا الصرح التذكاري مسؤولية الحفاظ عليه للأبد، حتى تتمكن الأجيال القادمة بعد عقود أو قرون من الآن من التعرف على الأمريكيين الذين يكرمهم هذا الصرح المهم». وتابع الوزير الأميركي «تبدأ مسؤوليتنا من اليوم فهي لا تنتهي بمراسم التدشين الحالية، بل تستمر من خلال التزامنا بالحفاظ على هذا النصب، تماماً كما فعلنا وما زلنا نفعل في مواقع أخرى عبر البلاد وفي هذه الساحة الوطنية (ناشونال مول)».
وأشاد بإبداع المصممين القائمين على إنجاز هذا الصرح التذكاري، قائلاً «لقد بذل المصممون جهوداً مضنية في إنجاز هذا الجدار الفني البديع حيث اختاروا نوعاً من الحجر يطابق بدقة ألوان رمال الكويت. كما يظهر رمز الطائرين الجارحين أحدهما نسر يمثل الولايات المتحدة، أما الآخر فهو صقر يرمز إلى تقاليد الصقارة العريقة في الشرق الأوسط.. ويحلق كلا الطائرين نحو بزوغ فجر يوم جديد».
ذكر وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، أن «هذا الصرح التذكاري يمثل تذكيراً رصيناً وضرورياً بمدى الجدية التي يجب أن نتعامل بها جميعاً عند اللجوء إلى القوة العسكرية».
وأضاف هيغسيث، في كلمة ألقاها خلال الحفل نيابة عنه وكيل وزارة الحرب الأميركية للسياسات إلبريدج كولبي، «نحن مدينون لمقاتلينا بعهد بأن نخوض الحروب بحكمة وفعالية وبطريقة تضمن أن تظل التكاليف التي يتحملها الأميركيون متناسبة مع حجم المصالح المعنية».
وشدد على أن «عملية (عاصفة الصحراء) كانت نموذجاً لذلك وسيكون هذا النصب التذكاري شاهداً عليها، بل إنني سأتمكن، على الأرجح، من رؤيته من مكتبي في البنتاغون ليكون بمثابة تذكير شخصي دائم بهذا المبدأ». وأشار إلى أن عمليتي (درع الصحراء) و(عاصفة الصحراء) أثبتتا «الأثر الاستثنائي» للشراكات القائمة على توافق المصالح، ما أرسى روابط متينة ودائمة بين الشعب الأميركي وشعوب بلدان الكويت والمملكة العربية السعودية والشركاء الآخرين في منطقة الخليج.
وقال «نستذكر عندما تمكنت قوات التحالف من امتلاك زمام المبادرة واستعادة سيادة وحرية الكويت وإلحاق هزيمة حاسمة بالقوات العراقية... لقد كان انتصارنا المشترك ساحقاً، وجاء ثمرة لإستراتيجية سليمة نفذت ببراعة على يد قوة تتمتع بالكفاءة والجاهزية والشجاعة». وتابع أن «الانتصار في عمليتي (درع الصحراء) و(عاصفة الصحراء) يحمل حقيقة راسخة، وهي أن القوة العسكرية حين تستخدم بوضوح لتعزيز أهداف سياسية محددة، وبالتعاون مع شركاء قادرين ومستعدين، يمكنها وستظل قادرة على تحقيق نتائج حاسمة».
واعتبر أن «هذا الدرس لا يقتصر على صفحات التاريخ. فالسلام والاستقرار في منطقة الخليج وفي المحيط الهادئ وفي أوروبا، وحتى في جوارنا المباشر لا يصان إلا من خلال القوة»، مؤكداً أن هذا هو الجوهر الذي يقوم عليه نهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب «تحقيق السلام من خلال القوة».
وختم هيغسيث بالقول «اليوم نحن نكرم هذه الشراكة ونقول لكل من شارك في هذه العمليات، ولا سيما أولئك الذين قدموا التضحية القصوى، أو أصيبوا خلال هذا الصراع وكذلك عائلاتهم، (إننا نقدركم ونشكركم) ونأمل أن يضمن هذا النصب التذكاري أن تظل هذه الذكرى حاضرة في أذهان الأجيال القادمة أيضاً».
أشادت سفيرة الكويت في واشنطن الشيخة الزين الصباح، بإنجاز الصرح في قلب العاصمة الأميركية، مشيرة إلى «اننا بذلك نمنح التاريخ العظيم مكاناً دائماً، وهي رؤية تحققت بفضل التفاني الدؤوب لمجموعة من أصحاب الرؤى والبناة والمشرعين والفنانين والحرفيين».
وأكدت الزين، في كلمة خلال الحفل، أن «لهذا الصرح التذكاري دلالات عميقة عند الشعب الكويتي، فهو يكرم شجاعة من أدوا الواجب والتضحيات التي قدمت دفاعاً عن الحرية والصداقة الراسخة التي ولدت في تلك اللحظة الاستثنائية من تاريخنا المشترك، وفي ثنايا هذه الصداقة يكمن امتنان لا يمكن للزمن أن ينال منه أو يقلل من شأنه».
وقالت لجمهور الحاضرين: «إلى كل من لبى نداء الواجب: ستظلون دائماً حاضرين في الذاكرة الوطنية للكويت وفي قلوبنا ولن ننساكم أبداً. لقد مر أكثر من 35 عاماً على تحرير الكويت، ورغم تغير العالم تظل المبادئ التي جمعت دولنا ذات أهمية بالغة، اليوم كما كانت في ذلك الحين السيادة والقانون الدولي والسلامة الإقليمية، والإيمان الراسخ بأن العمل الجماعي القائم على مبادئ مشتركة قادر على تغيير مسار التاريخ».
وتابعت «نحن اليوم نتشرف بوجود سفراء وممثلي العديد من دول التحالف بيننا. إن حضوركم يمثل تذكيراً قيماً بأن تحرير الكويت كان إنجازاً مشتركاً، وأن الروابط التي تشكلت في تلك اللحظة التاريخية لاتزال قائمة حتى يومنا».
أكد الرئيس التنفيذي للجمعية الوطنية لنصب عاصفة الصحراء التذكاري سكوت ستومب، أن الصرح التذكاري يجسد «صفحة استثنائية» في التاريخ العسكري الحديث ويخلد تضحيات المشاركين في تحالف دولي ضم أكثر من 30 دولة لتحرير دولة الكويت في عام 1991.
وشدد ستومب، في كلمة له خلال حفل افتتاح الصرح، على أهمية نقل دروس هذه التجربة إلى الأجيال القادمة، مشيداً بالدعم السخي الذي قدمته دولة الكويت، وكذلك اتحاد مصارف الكويت لإنجاز هذا الصرح التذكاري المهم.
وقال إن «هذا الصرح التذكاري سيروي قصة للأجيال المقبلة بأن تحالفاً دولياً ضم أكثر من 30 دولة من خمس قارات مختلفة بأديان متنوعة وخلفيات متباينة، تكاتف وقدم التضحيات لتحقيق الحرية».
وأضاف «معرفتي بأن ما يتراوح بين خمسة إلى ستة ملايين شخص سيزورون هذا النصب سنوياً، تجعلني أدرك أن هذه القصة ستظل حية وتستمر طويلاً بعد رحيلنا جميعاً. ستظل الدروس حاضرة هنا لتشكل ما يشبه فصلاً دراسياً حياً ونابضاً للأجيال القادمة... هذا النصب التذكاري سيظل قائماً ما دامت واشنطن العاصمة موجودة».
وقال موجهاً حديثه لقدامي المحاربين الموجودين في الحفل «إلى جميع زملائي المحاربين القدامى. استمتعوا بهذا النصب التذكاري الذي يخلد ذكراكم. وإلى جميع أفراد التحالف والوفد الكويتي هذا النصب لكم إنه لنا جميعاً فاستمتعوا به».
مدير المركز المصمم للنصب: فيه تشكيل قوي يعبر عن التحالف بين البلدين
قال مدير الأبحاث في مركز «أو ال آي أن» الذي صمم الصرح التذكاري، سكيب غرافام، إن فريق العمل صمم هذا النصب التذكاري ليصبح بمثابة «واحة» وسط المشهد الطبيعي لمنطقة «ناشونال مول»، حيث تتشكل المساحة الداخلية وتحيط بها كتلتان أرضيتان تشبهان الكثبان الرملية على غرار كثبان «برقان» في الكويت والتي تشكلت بفعل الرمال والرياح الصحراوية الدوارة.
وأضاف غرافام أن «جدار العاصفة» يعد الجدار الأول، وهو يتميز بطابع ديناميكي للغاية في الصرح التذكاري، إذ يجسد تكويناً يعكس قوة وسرعة العمليات العسكرية. وتبرز الأعمال النحتية للفنانة إميلي بيدارد، من بين تضاريس الكثبان الرملية لتصور مراحل الصراع بدءاً من الحشد العسكري، مروراً بالاشتباك والقتال، وصولاً إلى تحرير الكويت.
وقال إنه على طول هذا المسار يبرز عنصران من الفولاذ المقاوم للصدأ يرمزان إلى الولايات المتحدة والكويت معاً في تشكيل قوي يعبر عن التحالف بين البلدين، حيث تظهر الولايات المتحدة كقائدة للتحالف المنتصر العائد إلى دياره، بينما تبدو الكويت محررة وتستعيد سيادتها وحريتها كدولة مستقلة.
قال عضو الكونغرس السابق والمحارب القديم في الجيش الأميركي فيل رو، إن «ما بناه (سكوت) يتجاوز كونه مجرد نصب تذكاري، إنه تكريم لتحالف من الدول التي وقفت صفاً واحداً في عامي 1990 و1991 لاستعادة حرية دولة الكويت».
واضاف رو «ومن المناسب جداً أن يقف معنا اليوم أصدقاؤنا من دولة الكويت فهذا النصب التذكاري يروي قصتهم بقدر ما يروي قصتنا. إنه تكريم دولي خالد لكل من شارك في الخدمة ولكل من ضحى بحياته خلال عمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء».
إزاحة الستار عن النصب التذكاري لعمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء في متنزه ناشونال مول بواشنطن