ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiاقتصاد بقلم | يعقوب المزيني |

السندات تتكلم... فهل نعرف لغتها؟

السندات تتكلم... فهل نعرف لغتها؟

قد يخرج مسؤول ليطمئن الأسواق، ثم ترتفع عوائد السندات فتقول شيئاً آخر. ففي سوق السندات، لا تقاس التوقعات بقوة التصريحات، بل بالعائد الذي يطلبه المستثمر مقابل إقراض أمواله.

أواخر أغسطس، صدرت عبارتان تختصران المشهد. ففي 21 أغسطس، نقلت «فاينانشال تايمز» عن إستراتيجي بأكبر بنك استثماري ومجموعة وساطة في اليابان «نومورا»، وصفه خطة وزارة الخزانة الأميركية لتوسيع إعادة شراء السندات طويلة الأجل، بأنها أشبه بوضع (ضمادة على جرح رصاصة).

وفي 24 أغسطس، كتب ستانلي دراكنميلر في «وول ستريت جورنال»، وهو الذي تتلمذ على يديه وزير الخزانة سكوت بيسنت نفسه، أن عائد السندات طويلة الأجل هو (أهم سعر في العالم)، محذراً من محاولة خفضه بالتدخل في السوق بدلاً من معالجة الأسباب التي دفعته للارتفاع.

وجاء الانتقاد من داخل عالم الاستثمار، ووصل إلى حد اعتراض المعلّم على سياسة تلميذه. فـ «الخزانة» تقول إن توسيع إعادة الشراء يدعم السيولة، بينما يرى منتقدو الخطوة أن تحسين التداول لا يعالج وحده مشكلة العجز والدين.

تصلنا يومياً أرقام التضخم والبطالة والنمو والاستهلاك، وتتزاحم معها تصريحات المسؤولين وتوقعات المحللين. بعض هذه البيانات يتأخر، وبعضها يخضع للمراجعة، بينما تتفاعل السندات سريعاً مع المعلومات الجديدة، وتترجمها إلى أسعار تعكس نظرة المستثمرين.

ومع تداخل مخاوف التضخم والدين ومسار الفائدة، أرى أن عوائد السنتين والعشر والثلاثين سنة أصبحت مؤشرات تستحق المتابعة. فعائد السنتين أكثر حساسية لتوقعات قرارات الفائدة القريبة، بينما تتداخل في العوائد الطويلة توقعات الاقتصاد والتضخم والتعويض الذي يطلبه المستثمر لتحمل مخاطر السنوات المقبلة.

وقد رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الفائدة في 16 سبتمبر ربع نقطة مئوية إلى نطاق 3.75–4 %. وبذلك أصبح التشديد المتوقع قراراً فعلياً، وانتقل الاهتمام إلى ما إذا كانت ستتبعه خطوات أخرى.

وخلال الأسبوع الماضي، تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات حاجز 5 %، مسجلًا أعلى مستوياته منذ 2007.

وتعكس هذه التحركات إعادة تقييم توقعات الفائدة القريبة، من دون أن تعني زوال المخاوف المتعلقة بالتضخم والدين على المدى البعيد.

ولا تأتي الرسالة من الولايات المتحدة وحدها، ففي يوم الجمعة الماضي، 18 سبتمبر، بلغ عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات نحو 3 %، عند أعلى مستوياته خلال نحو ثلاثين عاماً.

وأهمية هذه التحركات تتجاوز اقتراض الحكومات. فارتفاع العوائد المرجعية قد يرفع كلفة تمويل البنوك وإصداراتها من السندات والصكوك، وينتقل بدوره إلى تسعير القروض للشركات والأفراد. وهكذا يمتد الأثر إلى العقار والصناعة والتجارة والاستهلاك، وتتغير حسابات الاستثمار والتوسع. فالمشروع الذي بدا مجدياً بكلفة تمويل منخفضة قد يحتاج إلى إعادة تقييم حين ترتفع هذه الكلفة.

لذلك، فإن قراءة سوق السندات تساعدنا على فهم ضغوط التمويل التي قد تواجه مختلف قطاعات الاقتصاد، وإن اختلف حجم الأثر وسرعة انتقاله من قطاع إلى آخر. ومن يقترض أو يستثمر لسنوات يحتاج إلى فهم العائد الذي تطلبه السوق، بقدر اهتمامه بما يقوله المسؤولون.

وهذه العوائد لا تقدم نبوءة مؤكدة، فالسوق قد تبالغ في الخوف أو التفاؤل، لكنها تكشف تقييم المستثمرين للمستقبل والمخاطر.

وهنا تعود إلى الذاكرة مقولة جيمس كارفيل، كبير إستراتيجيي حملة بيل كلينتون الرئاسية، حين قال عام 1993، (كنت أعتقد أنني لو عدت إلى الحياة فسأرغب في أن أكون رئيساً أو بابا للفاتيكان... لكنني الآن أريد أن أعود في صورة سوق السندات، لأنك تستطيع أن ترهب الجميع).

مقولة كارفيل تشرح قوة سوق السندات، أما حركة عوائدها فتساعدنا على قراءة رسالتها. وفي هذه المرحلة، لا يكفي أن نعرف أن السندات تتكلم، المهم أن نفهم ماذا تقول، قبل أن تظهر رسالتها في كلفة قروضنا وعوائد استثماراتنا.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓