الصين تشتري النفط الإيراني... لا حروب طهران
- ما تعتبره طهران ورقة ضغط إستراتيجية قد يحوّلها في نظر بكين من شريك مفيد إلى عبء لا يمكن التنبؤ بتصرفاته
وضع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الصين في قلب الحملة الاقتصادية المتوسعة التي تشنها واشنطن ضد إيران. ويخلق تهديده باتخاذ مزيد من الإجراءات ضد شحنات النفط الإيرانية اختباراً عملياً: ما هو حجم المخاطر الاقتصادية والدبلوماسية التي تستعد بكين لقبولها للحفاظ على ما تبقى من تجارة النفط مع طهران؟
تُعد الصين أكبر شريك تجاري لإيران، وزبونها الرئيسي للنفط، ودرعها الدبلوماسي الأهم في مجلس الأمن. وترفض بكين العقوبات الأميركية أحادية الجانب، وتؤكد أن تجارتها مع طهران مشروعة. ومع ذلك، لم تقدم أي ضمانات أمنية، وحجبت معظم الاستثمارات المرتبطة باتفاقية التعاون الاستراتيجي المبرمة بين البلدين لمدة 25 عاماً، كما تجنبت الانخراط المباشر في صراع إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
لا تشير الأدلة إلى أن الصين قد تخلت عن إيران، بل تكشف عن الطبيعة غير المتكافئة لعلاقتهما؛ إذ تنظر بكين إلى طهران كشريك استراتيجي مفيد، وليس كحليف ستُعرّض علاقاتها مع واشنطن - أو مصالحها الأكبر بكثير في دول الخليج العربي- للخطر من أجل الدفاع عنه.
ارتبطت اتفاقية التعاون الشامل لمدة 25 عاماً، الموقعة في عام 2021، على نطاق واسع باستثمارات صينية محتملة قد تصل قيمتها إلى 400 مليار دولار. وقد جاء هذا الرقم من مسودة مسرّبة وتقارير إعلامية، وليس من التزام ملزم في الاتفاقية النهائية. وظلت الاستثمارات الصينية الفعلية دون مستوى 5 مليارات دولار، وهو رقم يقل بكثير عن التزامات الصين في دول مجاورة.
وخلص تقييم قُدّم إلى الكونغرس الأميركي، إلى أنه لم يتم تسجيل سوى 185 مليون دولار في مشاريع صينية جديدة خلال فترة زمنية محددة خضعت للدراسة. وقد عكست زيارة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي إلى بكين عام 2023 القلق الإيراني إزاء بطء تنفيذ الاتفاقية، في حين اكتفت الصين بتقديم تطمينات عامة بدلاً من الإعلان عن مشاريع جديدة كبرى.
تعتمد الشركات الصينية المملوكة للدولة، على الخدمات المصرفية والتأمين والتكنولوجيا والأسواق الدولية. ولذا، ليس لديها حافز يُذكر للمخاطرة بتلك المصالح في اقتصاد يخضع للعقوبات، حيث تظل عمليات الدفع وإنفاذ العقود وتحويل الأرباح إلى الخارج أموراً صعبة. لقد وقعت الصين على الوثيقة الإستراتيجية لكنها أحجمت عن ضخ رأس المال الذي كان من شأنه تحويلها إلى تحالف اقتصادي.
تُعد الطاقة حجر الزاوية في هذه العلاقة، إلا أن الاعتماد المتبادل يميل بشكل ساحق لصالح الصين؛ إذ اشترت أكثر من 80 % من صادرات النفط الإيرانية عام 2025، وتشير بعض التقديرات إلى أن النسبة تقترب من 90 %. وقد مثلت الشحنات الإيرانية - التي بلغت نحو 1.38 مليون برميل يومياً - حوالي 12 % من متوسط واردات الصين من النفط الخام في ذلك العام؛ وهي نسبة مهمة ولكن يمكن تعويضها بمصادر أخرى.
اشتُريت كميات كبيرة من هذا النفط بخصومات تراوحت بين 8 و10 دولارات للبرميل الواحد من قِبَل مصافي تكرير مستقلة (تُعرف باسم مصافي «إبريق الشاي» أو «teapot refineries»)، وليس من قِبَل كبرى الشركات الصينية المملوكة للدولة؛ حيث حدّت هذه الشركات الكبرى من تعاملها المباشر مع الخام الإيراني تجنباً لمخاطر العقوبات الأميركية.
وعليه، تعتمد إيران على الصين في تصريف الجزء الأكبر من صادراتها النفطية، في حين تستطيع بكين -على النقيض من ذلك- الحصول على الخام من روسيا والمملكة العربية السعودية والعراق ودولة الإمارات وأستراليا والبرازيل ودول منتجة أخرى. وبذلك، لا تملك طهران بديلاً سهلاً لعملائها الصينيين، بينما تمتلك بكين القدرة على تقليص الإمدادات الإيرانية أو استبدالها بمصادر أخرى.
وفي بداية الحرب في 28 فبراير الماضي، كانت الصين تمتلك مخزوناً استراتيجياً وتجارياً من الخام يُقدر بما يراوح بين 1.3 و1.5 مليار برميل، وهو ما يكفي لتغطية متوسط الواردات لأكثر من 100 يوم. وقد سحبت نحو 500 ألف برميل يومياً من مخزوناتها في مايو، وحوالي 940 ألف برميل في يونيو. غير أنه في يوليو، أدى انخفاض معدلات التكرير في المصافي إلى تمكينها من استئناف تكوين المخزون بمعدل قُدّر بنحو 210 آلاف برميل يومياً.
لم تكن استجابة بكين الرئيسية تتمثل في استنزاف احتياطياتها، بل في خفض المشتريات وتقليص عمليات التكرير وتقييد صادرات الوقود. فقد انخفض متوسط وصول شحنات الخام المنقولة بحراً من نحو 11.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى حوالي 7.1 مليون برميل في أغسطس. وأثبتت قدرتها على الانسحاب الموقت من السوق بدلاً من دفع أي ثمن تفرضه اضطرابات الإمدادات.
تتجاوز المصالح الصينية في الشرق الأوسط حدود طهران بكثير؛ إذ ترتبط الصين بعلاقات واسعة مع السعودية والإمارات والعراق وعمان وقطر ومصر، وتشمل هذه العلاقات استثمارات في الموانئ والمناطق الصناعية وقطاعات الاتصالات والطاقة والبنية التحتية للنقل.
وتُعد إيران جزءاً واحداً من هذه المحفظة الإقليمية، وليست المحور الرئيسي الذي تتمحور حوله.
يُبرز مضيق هرمز، التباين بين الأولويات الإيرانية والصينية؛ إذ تنظر طهران إلى قدرتها على تقييد حركة الملاحة بوصفها ورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، في حين ترى بكين في هذا الممر المائي شرياناً تجارياً حيوياً. ويؤدي أي اضطراب في حركة الملاحة إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال، وزيادة تكاليف الشحن وتكاليف التأمين، كما تهدد علاقات بكين في أنحاء المنطقة.
يمكن للضغط الإيراني بشأن مضيق هرمز أن يؤدي أيضاً إلى نتيجة تعارضها الصين: وهي وجود بحري أميركي أكبر وأكثر ديمومة بالقرب من مسارات الطاقة في المنطقة. ونتيجة لذلك، فضلت بكين خيار الوساطة والضغط غير المعلن على المواجهة العلنية أو المشاركة العسكرية. إن ما تعتبره طهران ورقة ضغط إستراتيجية قد يحوّل إيران -في نظر الصين- من شريك مفيد إلى عبء لا يمكن التنبؤ بتصرفاته.
دانت الصين العقوبات الأميركية الثانوية وتعهدت حماية مصالحها المشروعة. ورغم أن طهران تفسّر هذه اللغة أحياناً على أنها التزام تجاه إيران، إلا أن جوهر الأمر يتعلق بالصين نفسها؛ فبكين تدافع عن حقها - الذي تؤكد عليه - في التجارة من دون تدخل أميركي، ولا تتعهد الحفاظ على كل معاملة تجارية إيرانية بغض النظر عن التكلفة.
ويفسر هذا التمييز سبب استمرار شركات التكرير المستقلة وشبكات التجارة غير الشفافة في شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة، في حين نأت البنوك الصينية الكبرى والشركات الحكومية بنفسها عن ذلك. وقد تجلى هذا أيضاً حين انخفضت - وفقاً للتقارير - معدلات تحميل الخام الإيراني من نحو مليوني برميل يومياً في مارس إلى ما بين 220 ألفاً و255 ألف برميل في أغسطس؛ إذ احتجت الصين على الضغوط الأميركية لكنها لم تتحدَّ الحصار عسكرياً أو تسعَ لإعادة تدفق النفط.
ولدى واشنطن أيضاً أسباب تدعوها لتجنب فرض عقوبات شاملة على المؤسسات الصينية الكبرى؛ فحجم التجارة بين الولايات المتحدة والصين يفوق بكثير حجم تجارة بكين مع طهران، كما أن الإجراءات واسعة النطاق قد تؤدي إلى اضطراب الأسواق وإثارة ردود فعل انتقامية. ولذا، قد تسمح بكين بعمليات شراء محدودة للنفط الإيراني عبر شركات يمكنها تحمل تبعات تعريضها للمخاطر، مع حماية بنوكها وشركاتها الرئيسية في الوقت ذاته.
لم تخُن الصين، إيران، لأنها لم تعدها يوماً بالدفاع عنها؛ فعلاقتهما تحكمها المصالح والمنفعة. تشتري بكين النفط الإيراني عندما تبرر نسبة الخصم حجم المخاطرة، وتدعم طهران دبلوماسياً عندما يخدم ذلك رؤيتها لنظام عالمي متعدد الأقطاب. لكن علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج العربية أوسع نطاقاً، وعلاقتها بواشنطن أكثر أهمية وتأثيراً، كما أن استعدادها لتحمل المخاطر نيابة عن إيران يظل محدوداً.
تظل الصين الشريك الاقتصادي الأهم لإيران، لكن الأهمية لا تعني التكافؤ، والتعاون الاستراتيجي لا يعني الدفاع المشترك...