نجم لم يعتلِ الخشبة
في المسرح تعوّدنا أن ننظر إلى الخشبة باعتبارها المكان الذي تُصنع فيه الحكاية، وأن نبحث عن أسماء الممثلين والمخرج والمؤلف، لكن هناك حكايات أخرى تُصنع بعيداً عن الأضواء، لا يراها المتفرج وربما لا يعرف أصحابها أصلاً، رغم أنهم في كثير من الأحيان يكونون جزءاً أساسياً من النجاح الذي نشاهده ونستمتع به ونصفق له.
إحدى هذه الحكايات توقفت عندها في عرض مسرحية «مهندس الذوق العام»، الذي حضرته قبل أيام. وأنا للأمانة لم أذهب هذه المرة لأكتب عن العرض، ولا لأضيف رأياً جديداً إلى ما كتبه الزملاء عن المسرحية، خصوصاً أنها حظيت باهتمام وتناول إعلامي وفني، وإنما كان ما استوقفني يحدث خارج النص وخارج الخشبة تماماً.
عندما لاحظت الأخ العزيز عبدالله المظفر، والد النجمين خالد وأحمد المظفر، موجوداً قبل العرض بساعات طويلة، يتحرك ويتابع وينسق، يهتم بالدخول والخروج، ويرعى الضيوف ويحرص على راحة الجميع سواء كان يعرفهم أو لا يعرفهم، رأيته يتصرف كرجل يحمل أموراً تحتاج إلى مَنْ يتحملها، وهنا تحديداً وجدت نفسي أفكر في معنى الدعم الحقيقي.
الدعم الذي أقصده الذي يظهر عندما يصبح الإيمان بموهبة الأبناء مسؤولية، وعندما يتحوّل الحب إلى فعل يومي، بأن تواجه شيئاً من الضغوط والتعب حتى يجد الآخرون مساحة أوسع للنجاح. البعض يراها أموراً بسيطة، لكنها في حقيقتها هي مسؤولية تحتاج إلى وقت وجهد وصبر، وربما إلى تنازلات كثيرة لا يعرف عنها أحد شيئاً.
ولهذا، أعتقد أن خالد وأحمد المظفر محظوظان جداً بوجود الوالد «بوفيصل» إلى جانبهما، لأنهما يملكان نموذجاً من الآباء الذين فهموا أن الوقوف خلف الأبناء مهم جداً في الفن تحديداً، لأن طبيعة الفنان تحتاج إلى مساحة ليجرب ويخطئ ويصيب ويغامر ويختلف. وفي ظل المنافسة التي يعيشها المسرح الكويتي اليوم، يصبح وجود عائلة تؤمن بالفنان وتسانده قيمة إضافية لا يمكن تجاهلها.
واللافت بالنسبة إليّ أثناء العرض وبين الفصلين، أن حضور الأخ المحترم جداً عبدالله المظفر لم يكن محصوراً في أبنائه فقط، بل كان حاضراً للمسرحية وفريقها بأكمله، لأن أجمل أنواع الدعم هو الذي لا يعرف حدود القرابة، حين كان يحتضن الجميع ويشجعهم من صغيرهم إلى كبيرهم.
لذلك، بعض الآباء لا يطلبون مقعداً في الصف الأول، ولا ينتظرون تصفيقاً ولا اسماً في نهاية العرض، يكفيهم أن يروا أبناءهم على الخشبة، وأن يشعروا أن كل ما بذلوه من وقت وتعب وقلق لم يذهب سدى، هؤلاء هم الذين لا يصعدون الخشبة، لكن من دونهم قد لا تكتمل الحكاية.