التكرار... قتل لذّة الانتظار
أثناء عملي الصحافي، وتحديداً قبل عشرين عاماً، أتيحت لي فرصة تغطية إحدى حفلات الفنان الراحل صباح فخري في الكويت، ولا تزال تلك الليلة حاضرة في ذاكرتي، ليس فقط لأنها كانت مناسبة فنية مهمة، وإنما لأنها جعلتني أتوقّف عند معنى مختلف للحفلة الغنائية، ومعنى أن يذهب الجمهور إلى فنان يعرف أنه سيمنحه شيئاً يستحق الانتظار.
صباح فخري لم يكن فناناً تأتي حفلاته كلّ شهر، ولا اسماً يتكرر على مسارحنا ثلاث أو أربع مرات في العام حتى تصبح مشاهدة الحفل أشبه بإعادة مشاهدة المشهد نفسه كما هو حاصل مع بعض المطربين في السنوات الأخيرة. كان حضوره مختلفاً، وعندما يبدأ الغناء لم يكن أحد يسأل: متى سينتهي الحفل؟ بل كان يراودنا السؤال الحقيقي: إلى أين سيأخذنا هذا الفنان الكبير؟
ولأن جمهور فخري اعتاد على امتداد حفلاته إلى ساعات متقدمة، وربما إلى الصباح، لكن التعب لم يباغتنا بقدر ما كان الطرب حاضراً في وجدان الجميع، لأن المسألة لم تكن عدد الأغاني التي سيقدمها، وإنما ماذا سيضيف إلى الأغنية، وكيف سيؤديها، وكيف يمكن لصوت واحد أن يجعل الجمهور يسمع الأغنية التي يعرفها وكأنه يسمعها للمرة الأولى.
وهنا أتذكّر دائماً الفرق بين فنان يملك مشروعاً فنياً، وفنان يملك جدول حفلات، الأول يحاول أن يجعل من كلّ حفلة حالة خاصة، حتى وإن غنّى أغنية سبق أن قدمها عشرات المرات. فالتجديد ليس بالضرورة أن تأتي بأغنية جديدة كلّ مرة، قد يكون في التوزيع أو الأداء أو الارتجال أو في إحساس الفنان نفسه وهو يغني، وهذا تحديداً كان سراً من أسرار صباح فخري.
وفي النموذج الثاني، نشاهد بعض الحفلات ونشعر أننا أمام نسخة مكررة من حفلة سابقة، فنجد الأغاني نفسها، الترتيب نفسه، الإطلالة نفسها، وربما حتى الحركات والتعليقات نفسها، وكأن الفنان لا يقدم حفلاً جديداً بقدر ما يعيد تشغيل حفلة قديمة أمام جمهور جديد. أفهم أن الحفلات أصبحت صناعة، وأن الفنان لديه فريق وشركة ومنظمون وتكاليف، وأن الربح جزء طبيعي من أي عمل فني، وهو أمر مشروع، لكن عندما يصبح العائد المادي هو الدافع الأول والأخير، يصبح الجمهور في المرتبة الثانية، ويصبح الفن مجرد وسيلة للوصول إلى شباك التذاكر أو تحقيق رقم جديد في عدد الحفلات.
والأغرب بالنسبة إليّ، أن بعض هذه الحفلات تجد جمهوراً يحضرها مرة بعد أخرى، حتى عندما تكون التذاكر مجانية أو تأتي الدعوات من دون مقابل أو حتى عندما تكون منقولة على الشاشات، وهنا لا أنتقد الجمهور بقدر ما أتساءل: هل أصبحنا نذهب إلى الحفلة لأننا نريد أن نعيش تجربة فنية، أم لأن علينا أن نكون موجودين فيها وننشط حساباتنا في «السوشيال ميديا»؟!
في الماضي، كانت للحفلة هيبة مختلفة، وكنا ننتظر الفنان، ونبحث عن أخباره، ونعرف أن ظهوره على المسرح ليس حدثاً يومياً، ولذلك كانت اللحظة تستحق الاحتفال والترقّب. بالعربي... كان هناك شوق يسبق الحفل وذاكرة تبقى بعده، أما الآن، فكثرة الحفلات لبعض المطربين قتلت شيئاً من قيمة الانتظار.
نهاية المطاف: بعض الحفلات تُنسى... وحفلة واحدة قد لا تُنسى.