ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمحليات بقلم | كتب تركي المغامس |

«تنظيم العمل الخيري»... نقلة تشريعية ورؤية مستقبلية

«تنظيم العمل الخيري»... نقلة تشريعية ورؤية مستقبلية

انطلاقاً من قناعة بأن الكويت تمتلك إرثاً إنسانياً عالمياً يستحق إطاراً قانونياً حديثاً يعزز استدامته ويحمي سمعته، ووفقاً لرؤية مؤسسية لتوحيد وتنظيم العمل الخيري والإنساني، يعد مشروع قانون تنظيم العمل الخيري والإنساني الذي أقره مجلس الوزراء، نقلة تشريعية وإصلاحية لمستقبله داخل البلاد وخارجها، ليس باعتباره قانوناً تنظيمياً فحسب، بل بوصفه مشروعاً إصلاحياً متكاملاً يواكب التحولات الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويحافظ في الوقت ذاته على المكانة التاريخية للكويت كعاصمة للعمل الإنساني.

ويُحسب إنجاز هذا القانون لوزيرة الشؤون الاجتماعية وشؤون الأسرة والطفولة الدكتورة أمثال الحويلة، التي تبنت مشروع القانون منذ توليها مسؤولية الوزارة، وجعلت من تطوير البيئة التشريعية للعمل الخيري أحد أبرز أولوياتها، كما لعب وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية الدكتور خالد العجمي، دوراً محورياً في متابعة مراحل إعداد المشروع والإشراف على فرق العمل المختصة، وترجمة التوجهات الحكومية إلى مشروع قانون متكامل. إلى جانب ذلك برز الدور الفني للوكيل المساعد لشؤون الرعاية والتنمية الاجتماعية إيمان العنزي، التي تولت قيادة الجانب التنفيذي في إعداد المشروع، ليؤكد هذا النهج التشاركي أن الوزارة لم تتعامل مع القانون باعتباره قراراً يفرض على الجمعيات، بل باعتباره مشروعاً وطنياً شارك في بنائه العاملون في القطاع الخيري أنفسهم، الأمر الذي يمنحه قبولاً أكبر وفرصاً أوسع للنجاح عند تطبيقه.

ويعد إنشاء المركز الوطني للعمل الخيري والإنساني أهم ما جاء في مشروع القانون، إذ يمثل تحولاً نوعياً في فلسفة إدارة القطاع الخيري في الكويت، فبدلاً من تعدد الجهات والإجراءات، ينشئ المشروع جهة وطنية متخصصة تكون المرجعية الرئيسية لجميع أعمال القطاع الخيري والإنساني، بما يشمل الإشراف والرقابة والتنظيم والتنسيق، مع تمتعها بالاستقلالية والحياد في أداء مهامها.

ولا يقتصر دور المركز الوطني على الرقابة، بل يتجاوزها إلى رسم السياسات العامة للقطاع، وتوحيد الإجراءات، ورفع كفاءة العمل المؤسسي، بما يحد من الازدواجية ويحقق تكاملاً أكبر بين الجمعيات الخيرية والإنسانية والمبرات.

ومن المتوقع أن يسهم المركز في تعزيز التنسيق بين مختلف الجهات العاملة في المجال الإنساني، وتوجيه الجهود نحو الأولويات الوطنية والدولية، بما يمنع تكرار المشاريع أو تداخلها، ويرفع كفاءة استثمار الموارد المالية والبشرية، ويعزز أثر المساعدات الإنسانية داخل الكويت وخارجها.

كما سيكون المركز نافذة موحدة للتعامل مع الجهات الحكومية والرقابية، وهو ما يختصر الإجراءات الإدارية، ويمنح القطاع إطاراً مؤسسياً واضحاً يسهل عملية المتابعة والتقييم والمساءلة.

ويهدف الصندوق إلى الاستثمار في بناء القدرات المؤسسية للجمعيات، وتأهيل العاملين فيها، وتمويل برامج التطوير والتدريب، ودعم المبادرات الإنسانية، فضلاً عن المساهمة في تنفيذ بعض المشاريع ذات الأولوية، بما يعزز استدامة العمل الخيري ويحول دون اقتصاره على جمع التبرعات فقط.

ويمثل ذلك انتقالاً من مفهوم الإدارة التقليدية للعمل الخيري إلى مفهوم التنمية المؤسسية للقطاع الخيري، وهو توجه يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية.

وتضمن القانون منظومة متقدمة لحوكمة الجمعيات الخيرية والإنسانية، حيث نظم حقوقها وواجباتها، وآليات تأسيسها وإدارتها والرقابة على أموالها. كما وضع ضوابط واضحة لمنع تعارض المصالح، من خلال حظر الجمع بين عضوية أكثر من مجلس إدارة لجمعية خاضعة للقانون، أو الجمع بين العضوية والعمل بأجر في جمعية أخرى، أو التعاقد مع الجمعية لتحقيق منفعة شخصية، بما يعزز النزاهة والاستقلالية في إدارة المؤسسات الخيرية.

ويعكس المشروع الامتثال الدولي والتزام الكويت بالمعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ ألزم القانون الجمعيات بوضع سياسات لتقييم المخاطر، وتعيين مراقبي التزام في بعض الحالات، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة لوحدة التحريات المالية الكويتية.

ويؤكد مشروع قانون تنظيم العمل الخيري والإنساني أن الكويت تتجه نحو مرحلة جديدة في إدارة القطاع الخيري، تقوم على العمل المؤسسي والحوكمة والشفافية والتكامل بين الجهات، دون المساس بالدور التاريخي الذي اضطلعت به الجمعيات الخيرية الكويتية على امتداد عقود.

ولا يخفى أن إصدار القانون بصيغته الحالية، سيشكل نقلة تشريعية غير مسبوقة، ليس فقط لأنه يوحد الإطار القانوني للقطاع، بل لأنه يؤسس لمرجعية وطنية ممثلة في المركز الوطني للعمل الخيري والإنساني، القادر على توحيد الجهود، وتعزيز التنسيق بين الجهات الخيرية، ورفع كفاءة العمل الإنساني الكويتي، بما يحافظ على ريادة الكويت الإنسانية ويعزز حضورها الإقليمي والدولي في هذا المجال.

كما منح المركز الوطني الاختصاص الحصري في إصدار تراخيص حملات جمع التبرعات، مع إلزامه بالتنسيق مع جهات حكومية أخرى عند الحاجة، مثل وزارة الخارجية بالنسبة للمشاريع الخارجية.

ومن أبرز ما يميز القانون اهتمامه بحقوق المتبرعين والمستفيدين، إذ شدد على حماية سرية البيانات، ومنع استغلال صور المحتاجين -لاسيما الأطفال- لأغراض دعائية تمس كرامتهم، وهو توجه يعكس البعد الإنساني والأخلاقي الذي حرص المشروع على ترسيخه.

استحدث المشروع منظومة متكاملة للعقوبات والجزاءات الإدارية والجنائية، تستهدف حماية أموال التبرعات من أي إساءة استخدام، كما أنشأ مجالس تأديب برئاسة قاضٍ للنظر في المخالفات الإدارية التي قد ترتكبها الجمعيات أو القائمون على حملات التبرعات، مع منحها صلاحيات فرض جزاءات تتناسب مع طبيعة المخالفة، بما يحقق الردع ويحافظ على استقرار القطاع.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓