«التستر التجاري» يحاصر ظاهرة... «التضمين»

منذ إصدار مرسوم «مكافحة التستر التجاري»، بدأت التساؤلات حول تداعيات تطبيقه بعد 6 أشهر من نشره في الجريدة الرسمية، وهو ما دفع بعض أصحاب المنشآت والأعمال في الكويت، إلى مراجعة هياكلها القانونية، وتصحيح أوضاع التراخيص والأنشطة المسجلة، لكي لا تتعرض إلى المساءلة القانونية بعد تطبيق القانون، فيما تدرس بعض الكيانات الأخرى إنهاء أنشطتها والدخول في مرحلة التصفية، لاسيما تلك التي لا تلتزم بالاشتراطات، وأهمها الإفصاح عن المستفيد الفعلي.
وعرّف مختصون اقتصاديون وقانونيون، لـ «الراي»، التستر التجاري بأنه، تمكين شخص غير مرخص له من ممارسة نشاط اقتصادي لحسابه الخاص، أو استخدام رخصة تجارية أو اسم تجاري، لا يعكس حقيقة المالك أو المدير الفعلي للنشاط، بما يؤدي إلى وجود فجوة بين البيانات الرسمية وطبيعة الإدارة والسيطرة الفعلية على المشروع، بما يسمي ظاهرة «التضمين»، التي يواجهها القانون في بنوده.
وحذر المختصون من مخاطر إخفاء المستفيد الفعلي أو السماح باستخدام الرخص التجارية بصورة لا تعكس الواقع، موضحين أن التستر التجاري لا يقتصر على الصورة التقليدية المتمثلة في تأجير الرخص التجارية مقابل مبالغ مالية، بل يشمل أيضاً الحالات التي تتم فيها إدارة النشاط من قبل طرف آخر غير صاحب الترخيص، أو استخراج رخصة باسم شخص بهدف تمكين شخص آخر من ممارسة النشاط، أو مزاولة أعمال تختلف عن النشاط المحدد في الترخيص التجاري.
ويتضمن القانون آلية لتحفيز الكشف عن جرائم التستر التجاري، إذ يمنح المساهمين في اكتشاف الجريمة من غير الجناة، مكافأة مالية لا تتجاوز 10 % من إجمالي قيمة الغرامات المحصلة، بشرط تقديم دليل جدي يؤدي إلى صدور حكم نهائي بالإدانة.
ويرى المختصون، أن هذه المادة قد تعزز قدرة الجهات الرقابية، على كشف الحالات التي يصعب فيها تحديد المستفيد الحقيقي، أو الشخص الذي يدير النشاط فعلياً خلف الواجهة القانونية.
وفي هذا الخصوص، قال رئيس مجلس إدارة الجمعية الكويتية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، محمد القطان لـ «الراي»، إن بعض الممارسات القائمة كانت تمنح الطرف غير المسجل في الرخصة، السيطرة الكاملة على النشاط وأرباحه، مقابل حصول صاحب الترخيص على مبلغ مقطوع شهري أو سنوي، وهو ما يعد من صور التستر التجاري التي يستهدفها القانون.
وأكد القطان، أن المسؤولية لا تقتصر على الأشخاص الطبيعيين، بل تمتد إلى الأشخاص الاعتباريين، إذ يتحمل الكيان القانوني المسؤولية، بالتضامن مع العاملين لديه، إذا ارتكبت المخالفة باسمه أو لصالحه.
وذكر أن غالبية الأنشطة، التي أعلنت خلال الأيام الماضية عن توقفها الموقت، تُدار فعلياً إما من قبل وافدين بنظام «التضمين»، رغم أن الرخصة التجارية مسجلة باسم مواطن، وإما من قبل أشخاص لا يحملون الرخصة، لكنهم يمارسون النشاط بصفتهم المالكين الفعليين له.
واستبعد القطان، أن يؤدي تطبيق القانون إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، موضحاً أن السوق مقبل على مرحلة إعادة تنظيم أكثر من أن يواجه نقصاً في المعروض، متوقعاً أن تتجه العديد من الأنشطة إلى إعادة هيكلة أوضاعها بدلاً من الإغلاق النهائي.
وأشار إلى أن ظاهرة التستر كانت أكثر انتشاراً في بعض الأنشطة التي لا يقبل المواطنون على إدارتها بشكل مباشر، مثل ورش تصليح السيارات والبقالات ومحال الحلاقة والخياطة، متوقعاً أن تشهد هذه القطاعات عمليات تصحيح واسعة.
من جانبها، قالت رائدة الأعمال ومستشارة المشاريع التجارية، عائشة الوايل، لـ «الراي»، إن التستر التجاري لا يقتصر على الصورة التقليدية المتمثلة في تأجير الرخص التجارية، بل يمتد إلى كل حالة يكون فيها النشاط الفعلي مختلفاً عن النشاط المرخص، أو تتم فيه إدارة المشروع من قبل شخص آخر بشكل غير معلن.
وأضافت أن أبرز صور التستر تتمثل في قيام شخص باستخراج رخصة تجارية ثم تمكين شخص آخر من استخدامها وإدارة النشاط مقابل مبالغ مالية دورية، دون وجود علاقة فعلية بين صاحب الترخيص والنشاط، مشيرة إلى أن من الصور الأخرى استخراج الرخصة لصالح شخص آخر حتى لو كان الهدف المساعدة وليس تحقيق منفعة مالية مباشرة.
وأكدت أن ممارسة نشاط غير مدرج ضمن الرخصة التجارية تعد من الحالات التي تستوجب الانتباه، مشددة على ضرورة تطابق النشاط الفعلي مع النشاط المرخص له، فالحصول على ترخيص لتصميم الملابس، على سبيل المثال، لا يمنح صاحبه الحق في تصنيع الملابس أو بيعها ما لم يحصل على التراخيص اللازمة.
ولفتت إلى أن بعض أصحاب المشاريع يخلطون بين أنشطة التسويق والترويج والدعاية والإعلان، موضحة أن تقديم خدمات إعلانية متكاملة أو تنفيذ حملات تجارية وتصوير محتوى للغير يتطلب الحصول على الترخيص المناسب.
وأشارت الوايل، إلى أن القانون منح فترة لتصحيح الأوضاع تبدأ بعد نشر المرسوم في الجريدة الرسمية بـ 6 أشهر، داعية أصحاب الرخص إلى مراجعة أنشطتهم والتأكد من سلامة أوضاعهم القانونية.
من جانبه، أثار المحامي محمد المرجاح، تساؤلات قانونية حول العلاقة بين أحكام قانون مكافحة التستر التجاري وأحكام شركات المحاصة المنصوص عليها في قانون الشركات الكويتي، باعتبار أن شركة المحاصة تعد من الشركات المستترة بطبيعتها ولا تظهر للغير.
وأوضح أن شركة المحاصة هي شركة تجارية تُعقد بين شخصين أو أكثر لتنفيذ نشاط أو مشروع معين، وتقتصر آثارها على العلاقة بين الشركاء دون أن تكون لها شخصية اعتبارية ظاهرة أو خضوع لإجراءات الإشهار والقيد في السجل التجاري.
وأشار إلى أن الإشكالية تظهر عندما يكون أحد شركاء المحاصة ممنوعاً أو محظوراً عليه ممارسة العمل التجاري، متسائلاً عن مدى التداخل بين الشراكة التي يسمح بها قانون الشركات وبين التجريم الوارد في قانون التستر التجاري.
وأضاف أن المادة (13) من قانون التستر التجاري، التي تقضي بإلغاء كل حكم يتعارض مع أحكام المرسوم بقانون، تفتح باب النقاش حول مدى تأثيرها على بعض الأحكام المنظمة لشركات المحاصة، وما إذا كان التعارض قائماً فعلاً أم أن النصوص يمكن تفسيرها باعتبارها تنظم حالات مختلفة.
وحذر المرجاح، من أن بعض العبارات الواردة في القانون قد تحتاج إلى مزيد من التفسير التشريعي أو اللائحي لتحديد الحدود الفاصلة بين التستر التجاري والشراكات التجارية المشروعة، مؤكداً أن حماية السوق تتطلب في الوقت ذاته وضوح المعايير حتى لا تختلط المخالفات بالعلاقات التجارية التي أجازها القانون.
• الحبس من سنة إلى 3 سنوات للمخالفين