... وشاورهم في الأمر
بعد العمل بدستور 1962 والانتقال إلى الدولة المدنيّة الحديثة وترسيخ حياة ديمقراطية وقيام مجالس مُنتخبة وصولاً إلى آخر مجلس أمة عام 2024. أصابت رحلة الديمقراطية عثرات كثيرة ما اضطرّ وليّ الأمر لتعليق المجلس ثلاث مرات. لنعترف أن الكلام المثالي الذي ورد في الدستور لم يُطبّق على أرض الواقع، فلم يكن البرلمان رقيباً ومشرعاً بالشكل الصحيح ولم تكن الحكومات سلطة تنفيذيّة تتعاون وتُنسّق... بل صار عندنا حزبان، إن تعاونا فعلى تقاسم المصالح والمغانم، وإن تصادما تجمّد قطار التنمية في محطّات الخلاف وعلاه الصدأ.
عثرات هذه المسيرة تُفسّر الصدى الإيجابي عند الكويتيّين عندما قرّر صاحب السمو أمير البلاد عام 2024 تعليق العمل ببعض مواد الدستور وحلّ المجلس. الصدى كان كبيراً مُقارنة بأصوات قليلة اعتبرت أن حلّ المجلس سيُساهم في انتشار حالة من اللا استقرار وتفشّي الفساد، كون الرقابة غائبة والقرارات التي ستُتّخذ قد لا تخدم الصالح العام. هذه الأصوات خفتت وتراجعت عند اتضاح أنّ الاستقرار صار أصلب، وأن الإصلاح صار أقوى، وأن الحرب على الفساد صارت أشرس وطالت، وتطول، جميع المُتجاوزين بلا استثناء بدءاً بالكبير قبل الصغير ومن أبناء الأسرة قبل غيرهم.
ورشة الإصلاح المُستمرّة على كلّ الصعد، أوجدت مناخاً كبيراً من الثقة محليّاً وعالميّاً، سياسيّاً واقتصاديّاً، ويعود الفضل في ذلك بعد الله سبحانه وتعالى إلى صاحب السمو الأمير الذي أكّد مراراً أن هُموم الكويتيّين ومصالحهم هي أولويّاته المُطلقة.
في ظلّ هذه الصورة، بدأت تظهر أصوات، وإن على استحياء، لتأسيس مجلس شورى مثلاً أو غيره بتسميات مُختلفة، ولنكن واقعيّين، تطوير النظام السياسي لا يحتاج إلى مجالس «واجهات» يتولّاها «وجهاء» لخدمة مصالح شخصيّة والبروز اجتماعيّاً وسياسيّاً. فهذا، عدا عن كونه يُظهر قصر نظر أصحابه، يُمثّل عبئاً مالياً نحن في غنى عنه ويُمكن تصنيفه في خانة الهدر المُقنّع.
أتكلّم كمواطن أمثّل نفسي، وأنا أستذكر الآية الكريمة «وشاورهم في الأمر»، وتفسيرها الواضح استطلاع آراء أصحاب العلم والمُختصّين والخبراء والمُلمّين بالتدبير، لمُناقشة الأمور الأساسيّة والتوافق على الأصلح والأنسب، وقول المصطفى عليه الصلاة والسلام «ما خاب من استشار».
الثاني، مجلس للتعليم والشباب. وهو المجلس الذي أعتبره شخصيّاً الأهمّ كونه يتعامل مع قضايا تتعلّق بالثروة الحقيقيّة للكويت. لم تنهض أمم عظمى إلا بالتعليم، ولم يصنع المُستقبل سوى الشباب.
هذه المجالس المُتخصّصة يختار وليّ الأمر شخصيّاً الأعضاء فيها من أهل الرأي والحكمة والبصيرة في كلّ من المجالات الثلاثة التي ذكرناها، والكويت مليئة بالطاقات والكفاءات. وهؤلاء سيكونون العين والمُعين للسلطة التنفيذيّة، يقترحون أفضل ما يُمكن للكويت من قوانين ومشاريع في كلّ مجال ويُرتّبون أولويّاتها لدعم عمل الحكومة مع إحاطة دائمة لصاحب السمو.
هذه النخبة من أهل الكويت التي تضمّ الأفضل كلّ في مجاله سيُستفاد من خبرتها وعصارة تجاربها لمصلحة البلد، عبر اقتراحات وبرامج واقعيّة قابلة للتنفيذ، بعيداً عن «كتابنا وكتابكم»... تناسقٌ مع عمل الوزارات، وتنسيقٌ مُستمرّ لمنع الازدواجية، وآلية مُنظّمة جامعة للجهود.
اليوم، كمُواطن كويتي، أقول بالصوت العالي بعد كلّ ما جرى لأكثر من 60 عاماً، لا تعنيني عودة مجلس الأمة كما كان في السابق من عدمها، ولا يعنيني صرف الأيام والأشهر والسنوات للحديث عن الديمقراطية الغربيّة وكيفيّة تطبيقها عندنا مع تعديلات وبدون تعديلات، ولا يعنيني الجدل الدائم حول مَنْ يُمثّل الشعب ومَنْ يُمثّل على الشعب.
كلّ ما أريده وللأبناء والأحفاد والأجيال القادمة أن يتم اختيار أفضل السبل لتتقدّم الكويت في كلّ المجالات، وتستعيد ريادتها ورونقها في طليعة الرّكب، وأن يتخرّج الكويتي من الجامعة ويجد فرصة عمل مُحترمة في مجاله وتخصّصه، وأن تتكرّس الدولة مِظلّة للجميع ومرجعية للجميع، وأن تذوب الشوائب المذهبيّة والطائفيّة والمناطقيّة التي سيطرت على المشهد لعقود في بوتقة التنمية... والتنمية فقط.