ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمحليات بقلم | كتب تركي المغامس |

حوكمة رقمية ورقابة استباقية... «الشؤون» تعيد هندسة القطاع التعاوني

حوكمة رقمية ورقابة استباقية... «الشؤون» تعيد هندسة القطاع التعاوني

شهد القطاع التعاوني في البلاد، خلال العامين الأخيرين، تحولاً نوعياً في منظومة الرقابة والإدارة، بعد أن تبنت وزارة الشؤون الاجتماعية نهجاً يعتمد على الحوكمة الرقمية والرقابة الاستباقية، عوضاً عن الرقابة التقليدية اللاحقة.

وأصبحت الوزارة تمتلك أدوات إلكترونية متقدمة تتيح متابعة الأداء المالي والإداري للجمعيات التعاونية بشكل لحظي، إلى جانب ربط إلكتروني شامل مع الجمعيات، وتوحيد الأنظمة المحاسبية، وإصدار لائحة تنظيمية جديدة أعادت رسم العلاقة بين الوزارة والجمعيات بما يعزز الشفافية ويحافظ على أموال المساهمين والمال العام.

وتأتي هذه الخطوات في إطار رؤية حكومية تبنتها وزيرة الشؤون الإجتماعية وشؤون الأسرة والطفولة الدكتورة أمثال الحويلة، وأشرف على تنفيذها وكيل الشؤون الدكتور خالد العجمي، وأدارها باحترافية عالية الوكيل المساعد لقطاع الشؤون المالية والإدارية وشؤون التعاون في الوزارة الدكتور سيد عيسى، تستهدف تطوير القطاع التعاوني باعتباره أحد أهم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في الكويت، حيث تتجاوز استثماراته ملايين الدنانير، ويخدم مئات الآلاف من المستهلكين عبر عشرات الجمعيات وأفرعها المنتشرة في مختلف المحافظات.

لم تعد الرقابة على الجمعيات التعاونية تعتمد فقط على الجولات الميدانية أو مراجعة التقارير المالية السنوية، بل انتقلت وزارة الشؤون إلى مرحلة الرقابة الإلكترونية المباشرة، من خلال مشروع الربط الإلكتروني مع جميع التعاونيات، من خلال غرفة الرقابة المركزية التي أنشأتها لهذا الغرض.

وأتاح هذا الربط للوزارة متابعة مختلف العمليات الإدارية والمالية بصورة فورية، بدءاً من حركة المبيعات والمشتريات، مروراً بالمخزون، وانتهاءً بالبيانات المالية والتقارير المحاسبية، واجتماعات مجلس الإدارة، الأمر الذي عزّز قدرة الجهات الرقابية على اكتشاف أي تجاوزات أو مؤشرات غير طبيعية قبل تفاقمها.

كما أسهم الربط الإلكتروني في تقليص الاعتماد على المستندات الورقية، وتسريع تبادل البيانات بين الوزارة والجمعيات، ورفع كفاءة اتخاذ القرار اعتماداً على بيانات دقيقة ومحدثة.

ويعد العمل على توحيد البرامج المحاسبية بين الجمعيات التعاونية من أبرز مشروعات التطوير التي تنفذها الشؤون، إذ كانت كل جمعية تستخدم في السابق نظاماً محاسبياً مختلفاً، ما كان يحد من قدرة الوزارة على المقارنة الدقيقة وتحليل البيانات بصورة موحدة، واتخاذ القرارات بشكل سريع وفعّال.

ومع البدء في تطبيق المنظومة المحاسبية الموحدة التي ألزمت الوزارة الجمعيات بها، وجارٍ العمل على تنفيذها في كل الجمعيات التعاونية، أصبحت جميع العمليات المالية تسجل وفق معايير وإجراءات موحدة، الأمر الذي يوفر قاعدة بيانات مركزية تساعد الوزارة على: مراقبة الأداء المالي لجميع التعاونيات، ومقارنة النتائج المالية بين الجمعيات، ورصد الانحرافات والمخالفات بصورة مبكرة، وتسهيل عمليات التدقيق والمراجعة، وتعزيز الشفافية والإفصاح المالي.

كما تساهم هذه الأنظمة في حال تنفيذها بشكل كامل خلال ستة أشهر، في الحد من الأخطاء البشرية، وتقليل فرص التلاعب في البيانات المالية، ورفع جودة التقارير المحاسبية، تسهل على متخذي القرار إصدار القرارات السليمة بشكل مباشر.

فعوضاً من انتظار التقارير الدورية، أصبحت الجهات المختصة قادرة على الاطلاع على كميات المخزون ونسب التغطية وحركة السلع الأساسية بشكل لحظي، وهو ما يعزز الأمن الغذائي ويمنح الدولة القدرة على التدخل السريع في حال حدوث أي نقص أو اضطراب في الأسواق.

كما يساعد النظام الإلكتروني على إعداد مؤشرات دقيقة عن مستويات المخزون في مختلف المحافظات، بما يدعم خطط الطوارئ وإدارة الأزمات، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والعالمية التي تؤثر على سلاسل الإمداد.

وضمن جهودها لتعزيز الرقابة، أنشأت «الشؤون» منظومة رقابية تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، من بينها غرفة متابعة ترتبط بكاميرات المراقبة داخل الجمعيات التعاونية، بما يتيح متابعة الأداء التشغيلي والتأكد من الالتزام بالأنظمة والتعليمات.

وتعمل هذه المنظومة جنباً إلى جنب مع الرقابة المالية والإدارية، لتوفير صورة متكاملة عن أداء الجمعيات، وتعزيز سرعة الاستجابة لأي ملاحظات أو مخالفات.

وساهمت غرفة الرقابة المركزية في معالجة الكثير من أوجه الخلل والممارسات التي كانت تحدث في التعاونيات، من خلال توثيق جميع أوجه الحركة في الأسواق المركزية والأفرع، ما حسن من جودة التسوق ودراسة سلوك المتسوقين ومعالجة أي خلل بشكل مباشر وسريع.

التحول الرقمي لم يقتصر على الجوانب المحاسبية فقط، بل شمل تطوير أدوات الرقابة الإدارية أيضاً، حيث أصبحت الوزارة قادرة على متابعة، تنفيذ قرارات مجالس الإدارات، والالتزام باللوائح المنظمة، وإجراءات المشتريات والعقود، وأعمال اللجان المختلفة، وسير الانتخابات التعاونية، وتنفيذ قرارات الجمعيات العمومية وقرارات الجهات الرسمية في الدولة.

كما ساهمت الرقابة الإلكترونية في رفع كفاءة المفتشين، إذ أصبح بإمكانهم الوصول إلى البيانات وتحليلها قبل النزول الميداني، ما يجعل عمليات التفتيش أكثر دقة وتركيزاً.

ويشكل صدور لائحة تنظيم العمل التعاوني الجديدة، محطة مفصلية في مسيرة تطوير القطاع التعاوني في البلاد، إذ جاءت بعد مراجعة شاملة للتشريعات السابقة بهدف مواكبة التطورات الاقتصادية والإدارية، وإتاحة الكثير من الأدوات للتعامل التجاري السلس والقضاء على العديد من السلبيات السابقة.

وركزت اللائحة على تعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية، وتنظيم العلاقة بين الوزارة ومجالس إدارات الجمعيات، ورفع كفاءة الإدارة التعاونية، مع تحديد مسؤوليات كل طرف بصورة أكثر وضوحاً.

كما تضمنت اللائحة ضوابط أكثر دقة في ما يتعلق بالاستثمار، وإدارة الأموال، والتعاقدات، والرقابة الداخلية، وإجراءات الإفصاح، بما يسهم في الحد من التجاوزات الإدارية والمالية.

وتعكس اللائحة الجديدة توجهاً واضحاً نحو ترسيخ مفهوم الحوكمة داخل الجمعيات التعاونية، من خلال إلزامها بتطبيق معايير الرقابة الداخلية، وتعزيز المساءلة، وتوثيق جميع الإجراءات الإدارية والمالية.

كما تدعم اللائحة استقلالية العمل الرقابي داخل الجمعيات، وتمنح الوزارة أدوات أكثر فاعلية للتدخل عند رصد أي مخالفات، بما يحافظ على أموال المساهمين ويعزز ثقة المستهلكين بالقطاع.

كما أن الرقابة اللحظية تساعد في اكتشاف أي عمليات غير اعتيادية أو تراجع مفاجئ في المؤشرات المالية، ما يسمح بسرعة اتخاذ الإجراءات التصحيحية قبل تحولها إلى مخالفات كبيرة.

لا يقتصر أثر الإصلاحات التي نفذتها وزارة الشؤون على الجوانب الرقابية فقط، بل يمتد إلى تحسين الخدمات المقدمة للمستهلكين، إذ تسهم الأنظمة الإلكترونية في رفع كفاءة إدارة المخزون، وتسريع عمليات التوريد، وتقليل حالات نقص السلع، وتحسين جودة التخطيط الشرائي.

كما تساعد البيانات الدقيقة على اتخاذ قرارات أفضل في ما يتعلق بالعروض والأسعار وتوفير المنتجات الأساسية وفق احتياجات كل منطقة.

يتجه القطاع التعاوني الكويتي اليوم، نحو مرحلة جديدة تعتمد على الإدارة الذكية والرقابة الرقمية، في ظل استمرار وزارة الشؤون في تنفيذ مشاريع التحول الإلكتروني وتطوير البنية التقنية للجمعيات.

وفي المحصلة، فإن ما تشهده الجمعيات التعاونية اليوم لا يقتصر على تحديث تقني أو تطوير إداري، بل يمثل تحولاً مؤسسياً شاملاً يعيد صياغة منظومة العمل التعاوني وفق أسس الحوكمة والشفافية والرقابة الذكية، وهو ما من شأنه أن يرفع كفاءة الأداء، ويحافظ على المال العام، ويعزز ثقة المساهمين والمستهلكين في أحد أهم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في دولة الكويت.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓