صداقه مكلفه

مع تفتح وعي الانسان في طفولته، يجد نفسه وسط افراد عائلته، وفي تلك اللحظه تبدا علاقاته الانسانيه بالتشكل: الام والاب، والاخوه والاقارب، والجيران والاصدقاء. والطفل في هذه المرحله يمارس علاقته بالاخر وفق الغريزه الانسانيه، وطبيعه البيئه التي يعيش فيها. في الطفوله، نكون مدفوعين بالبحث عن اللعب والمتعه البريئه، وهذا ما يصنع دوائر علاقاتنا، ويشكل النواه الاولي في تقبل اشخاص والنفور من اخرين، خصوصا في المراحل الدراسيه الاولي. لكن مع تقدمنا في العمر، وتحديدا في مرحله الشباب، حين يبدا وعي الانسان بذاته بالتشكل، يجد نفسه منجذبا نحو الاخر بدافع الحاجه الي الانتماء والقبول. وكم يبدو الامر مؤلما لابنائنا المراهقين حين يجدون انفسهم مطرودين من دوائر تتحرك من حولهم، ترفض دخولهم اليها لسبب او لاخر، فيقفون علي عتبتها والالم يملا ارواحهم. ومع تقدم الانسان في العمر، واجتيازه مراحل الدراسه الجامعيه، يبدا بتقبل فكره ان يكون ضمن علاقات صغيره محدده، قريبه من واقعه الاجتماعي والاقتصادي. وهذا يخفف عنه المعاناه التي عاشها في مراهقته، ويجعله يتجاوز الخوف من الوحده، ويانس لروح المجموعه التي ينتمي اليها. النقطه الاهم في العلاقات الانسانيه تبدا لحظه يشعر الانسان بمحدوديه عمره. عندها يصبح للوقت معني محسوس، وحينها يبدا بعض الاشخاص بالتساؤل: ما الذي اجنيه من هذه العلاقه؟ ماذا تضيف الي؟ وماذا تاخذ مني؟ وفي هذه المرحله يبدا الانسان باختيار علاقات بعينها، والابتعاد عن علاقات اخري لا تجلب له سوي مضيعه الوقت. وتسمي الدراسات النفسيه هذا السلوك «نظريه الانتقائيه الاجتماعيه العاطفيه – Socioemotional Selectivity Theory»، وهي تؤكد ان الانسان كلما ادرك قصر الوقت، صار اكثر حرصا علي ان يقضيه مع من يمنحونه السرور والطمانينه والمعني. اما الامر الاكثر تعقيدا في العلاقات الانسانيه، فياتي من الاعباء التي تلقيها بعض العلاقات علي كاهل الانسان، خصوصا تلك التي يجد نفسه اعجز عن الخروج منها، كما في العلاقات العائليه او العاطفيه. وفي بعض الاحيان يجد المرء نفسه مستنزفا في تفكيره ووقته من جراء علاقه بعينها، بسبب ضريبه القرب العائلي، او الدور الذي اعتاد ان يلعبه فيها. وهنا يجب التفريق بين التعب المؤقت، وبين العبء الدائم الذي يلازم الانسان، ويصبح كلفه حياتيه باهظه تضغط عليه طوال الوقت. ان قرار البقاء في علاقه انسانيه او القطع والخروج منها ليس بالامر الهين، خاصه في ما يخص العلاقات الاسريه، وكذلك علاقه بعض الاصدقاء الذين ساروا مع الشخص في دروب حياته، وشكلوا جزءا اساسيا من ذاكرته وسيرته. لذا يتوجب عليه ان يقف امام نفسه بصدق في تلك اللحظات، ويسالها: كيف يمكن اعاده تشكيل هذه العلاقه؟ وهل من مجال لتحسينها؟ وهل يبقي باب الصداقه مواربا؟ واخيرا السؤال الصعب: ايهما افضل، الخروج ام البقاء؟ فمع تقدم الانسان في العمر، يكون اميل الي الهدوء، والانس بشيء من الوحده، لا العزله. التقدم في العمر لا يتطلب بالضروره تقليص العلاقات الانسانيه التي تحيط بنا، فليس الزم للانسان من اهله واصدقائه. فلنا مطلق الحريه في ان نخفف من احمالنا، لكن شريطه الا نطفئ المصابيح التي انارت لنا الدرب يوما. طالب الرفاعي
نظرية الانتقائية الاجتماعية العاطفية