ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasاقتصاد بقلم مشعل يوسف الصفران

السياره التي تشبهك

السياره التي تشبهك

حين تتامل قرار شراء السياره، تجد انه يتجاوز بكثير مقاييس القوه وسعه المحرك وحجم الشاشه. فالسياره ليست مجرد اداه تنقلنا بين نقطتين، بل اصبحت في كثير من الاحيان امتدادا لشخصيه صاحبها، وتصريحا مرئيا يعكس الصوره التي يحب ان يري نفسه بها، او الصوره التي يريد ان يقدمها امام الاخرين. ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي عند شراء سياره جديده: «ما افضل سياره؟»، بقدر ما يكون: «اي سياره تناسبني؟». تتشكل هذه العلاقه في وقت مبكر، وغالبا ما تبدا من التجربه الاولي. السياره الاولي التي قادها الانسان، او السياره التي ارتبطت بذكريات طفولته وعائلته، يمكن ان تترك اثرا عاطفيا يستمر لسنوات. تجربه مريحه، رحله مهمه، او حتي تفاصيل بسيطه ارتبطت بمرحله معينه من الحياه، قد تتحول الي معيار غير معلن نقارن به كل سياره تاتي بعدها. ومن هنا يولد الولاء للعلامه. يكرر البعض شراء سيارات من الشركه نفسها لسنوات طويله، حتي مع ظهور خيارات جديده قد تكون افضل في بعض المواصفات. والسبب ليس دائما ان تلك العلامه هي الافضل في كل شيء، بل لانها تمنح صاحبها شعورا بالامان والالفه، هو يعرف ما يتوقعه منها، ويعرف كيف يشعر خلف مقودها، وربما اصبح يري جزءا من نفسه فيها. لكن الاختيار لا يتشكل في عزله. العائله والاصدقاء والمحيط الاجتماعي يمارسون جميعا تاثيرا، احيانا بشكل مباشر واحيانا من دون ان نشعر. فالسياره في نظر المجتمع ليست مجرد وسيله نقل، بل يمكن ان تصبح مؤشرا علي نمط الحياه والمكانه والنجاح. لذلك يجد المشتري نفسه احيانا بين خيارين: السياره التي يحتاجها فعلا، والسياره التي تتناسب مع الصوره التي يريد ان يقدمها. قد تكون سياره صغيره واقتصاديه هي الاختيار الاكثر منطقيه للاستخدام اليومي، لكن سياره اكبر قد تمنح صاحبها احساسا بالامان والحضور. وقد تكون تكلفه سياره معينه اعلي مما يحتاجه فعليا، لكنه يختارها لانها تعبر عن طموح او اسلوب حياه يراه مناسبا له. وهنا يظهر الصراع الصامت بين العقل والعاطفه. العقل يحسب السعر، واستهلاك الوقود، وتكلفه الصيانه، وقيمه اعاده البيع. اما العاطفه فتبحث عن التصميم، والاحساس خلف المقود، والانتماء الي هويه معينه. وفي لحظه القرار داخل صاله العرض، قد تنتصر العاطفه علي كل الحسابات التي سبقتها، فيختار المشتري السياره التي تلمس شيئا داخله وتشعره بانها «تشبهه». وهذا تحديدا ما يجعل بعض العلامات التجاريه اكثر نجاحا في بناء الولاء من غيرها. فالعلامه التي تنجح في خلق هويه واضحه لا تبيع مواصفات فقط، بل تمنح العميل فرصه ليري نفسه داخل المنتج. وعندما تنجح في ذلك، يصبح تغيير العلامه اصعب، حتي عندما يظهر منافس يقدم ارقاما افضل علي الورق. لكن شخصيه السياره لا تتشكل من الانسان وحده. المكان الذي نعيش فيه، والطرق التي نقود عليها، والطقس، والمواسم، كلها عوامل يمكن ان تعيد تعريف ما نريده من السياره. فالسياره التي تبدو مثاليه داخل المدينه قد لا تكون هي السياره التي نريدها عندما يتغير الطقس، وتتسع المساحات امامنا، وتتحول القياده من وسيله للوصول الي رغبه في الخروج. ومع انكسار حده الصيف وحلول اكتوبر، يبدا هذا التغيير في الظهور بوضوح. تعود النوافذ لتفتح، تستعيد الرحلات الخارجيه جاذبيتها، وتبدا السياره في اداء دور مختلف عن ذلك، الذي ادته طوال اشهر الحر. فماذا يحدث عندما تخرج السياره من حدود المدينه، ويتحول الطريق المفتوح الي وجهه بحد ذاته؟ هنا يبدا نداء البر. مشعل يوسف الصفران

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓