ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasاقتصاد بقلم مشعل يوسف الصفران

سيارات بلا روح

سيارات بلا روح

عندما تتامل حركه السير في اي مدينه حديثه اليوم، يتسلل اليك شعور غريب بالرتابه. السيارات التي تتنافس في سبتمبر علي حمل احدث ارقام السنوات، تبدو احيانا وكانها خرجت جميعا من قالب واحد. خطوط انسيابيه متشابهه، مصابيح حاده، شاشات ضخمه، وواجهات رقميه تكاد تتكرر من سياره الي اخري. المفارقه ان السباق المحموم نحو الحداثه والتكنولوجيا، الذي كان يفترض ان يمنح السيارات مزيدا من التميز، ساهم في بعض الاحيان في اذابه الفوارق بينها. في الماضي، كان من الممكن تمييز السياره من بعيد، وربما من دون رؤيه شعارها اصلا. شكل المصابيح، انحناءه الهيكل، صوت المحرك، استجابه ناقل الحركه، وحتي قسوه التعليق او نعومته، كانت جميعها تعبر عن شخصيه هندسيه واضحه. لم تكن السياره مجرد وسيله نقل، بل انعكاسا لفلسفه الشركه التي صنعتها. اما اليوم، فقد اصبحت التجربه اكثر تقاربا؛ فالتكنولوجيا المشتركه، والمنصات الهندسيه المتشابهه، والمكونات التي تستخدمها اكثر من علامه، جعلت الحدود بين الشخصيات اقل وضوحا. ولم يكن هذا التشابه وليد المصادفه. فمتطلبات السلامه، وتحسين الديناميكيه الهوائيه، وخفض استهلاك الطاقه والانبعاثات، فرضت علي المصممين قيودا مشتركه. ومع تطور السيارات الكهربائيه، اصبحت هذه المعادله اكثر وضوحا، اذ لم يعد تصميم السياره متعلقا بالمحرك وحده، بل بموقع البطاريات، واجهزه الاستشعار، واداره الحراره، وتحقيق اعلي كفاءه ممكنه. وفي نهايه الطريق، قد تصل شركات مختلفه الي حلول متقاربه، لان الهندسه نفسها تفرض بعض الاجابات. ثم انتقلت المنافسه الي داخل المقصوره. الشاشه الكبيره اصبحت عنصرا شبه اساسي، وانظمه الاتصال والذكاء والمساعده علي القياده باتت متاحه في فئات عديده، بينما اختفت تدريجيا بعض الازرار والمفاتيح، التي كانت تمنح كل مقصوره طابعها الخاص. واصبح من السهل مقارنه السيارات بالارقام: حجم الشاشه، قوه المحرك، سرعه الشحن، عدد انظمه السلامه، والمدي الكهربائي. لكن كيف يمكن قياس الاحساس، الذي تمنحه سياره دون اخري؟ هنا تحديدا تظهر مشكله «السيارات بلا روح». وهي لا تعني ان السياره سيئه، بل ربما العكس تماما. السيارات الحديثه اكثر امانا، واكثر كفاءه، واكثر تطورا من اي وقت مضي. لكن عندما تصبح التكنولوجيا هي اللغه المشتركه بين الجميع، يصبح التحدي الحقيقي هو الحفاظ علي شخصيه يمكن التعرف اليها وتذكرها. فالسياره الناجحه ليست بالضروره الاكثر تجهيزا، ولا صاحبه اكبر شاشه او اطول قائمه من المواصفات. احيانا تكون السياره، التي تبقي في الذاكره، هي التي تمنح صاحبها احساسا لا يستطيع وضعه في جدول مقارنه. وهنا تبدا المفارقه الاصعب: اذا كانت الشركات تستثمر الملايين لتقديم احدث التقنيات وارقي المواصفات في طرازاتها، فلماذا تفشل بعض هذه السيارات «الممتازه» تجاريا في الشارع؟ وكيف يمكن لقرار تصميمي واحد او هفوه هندسيه صغيره ان تدمر نجاح طراز مكتمل الاركان؟ لان المشكله احيانا لا تكون في السياره، التي صنعتها الشركه، بل في القرار الذي جعلها تبدو كما لو انها لم تعد تعرف من تكون. مشعل يوسف الصفران

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓