«اتفاقيه مكه الدفاعيه».. جدار للردع الاستراتيجي

محلل الشؤون الدوليه في لحظه اقليميه معقده، وفي خطوه استراتيجيه متقدمه، وقعت المملكه العربيه السعوديه وتركيا وباكستان، الجمعه، «اتفاقيه مكه للدفاع المشترك» في الديوان الملكي في مكه المكرمه. ووقع الاتفاقيه ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف. وتهدف الاتفاقيه الي بناء منظومه ردع اقليميه متكامله، تضمن حمايه الدول الثلاث من اي اعتداء، وتدعم استقرار المنطقه في ظل المتغيرات والتحديات الجيوسياسيه الراهنه، عبر تعزيز التعاون العسكري، والصناعات الدفاعيه، والتنسيق الميداني الشامل. وكتب وزير الدفاع السعودي الامير خالد بن سلمان ان الاتفاقيه «ترسخ اطارا لشراكه دفاعيه طويله المدي وتعزز الردع والتنسيق والتكامل بين بلداننا الشقيقه، وتسهم في دعم امن واستقرار المنطقه والعالم». ولا يمكن قراءه «اتفاقيه مكه الدفاعيه» بمعزل عن التحولات الهائله التي تمر بها المنطقه؛ اذ تاتي في اوج تصاعد التوتر الاقليمي الذي نشا في اعقاب الحرب الامريكيه - الايرانيه، وما رافقها من عدوان ايراني طال عددا من دول المنطقه. كما يمكن النظر اليها علي انها خطوه مفصليه لاعاده ترتيب المشهد الجيوسياسي وصياغه مستقبل المنطقه، اذ يمثل التحالف الدفاعي بين الرياض وانقره واسلام اباد عمقا اسلاميا وثقلا جيوسياسيا غير مسبوق، بالنظر الي ما تمتلكه الدول الثلاث من امكانات عسكريه واقتصاديه هائله، قادره علي اعاده التوازن للشرق الاوسط ولجم اي محاولات للاستفراد بالمنطقه. ففي بعدها الاقليمي، تشكل الاتفاقيه ضربه استراتيجيه لمشاريع ايران التوسعيه؛ فبعد عقود من محاولات طهران العبث بامن المنطقه وتفريخ الميليشيات بهدف اضعاف الدول المركزيه، تفرض الاتفاقيه معادله ردع حاسمه بوجه طهران ووكلائها، لا سيما بعد التغول الاخير في العدوان علي دول الخليج العربي. كما تمثل الاتفاقيه انتكاسه لتل ابيب، وحائط صد امام تغول كيان الاحتلال في تعدياته الاقليميه في اعقاب احداث السابع من اكتوبر 2023. واللافت ان الاتفاقيه صيغت بمرونه تتيح انضمام المزيد من الدول الراغبه، وهذا سيفتح الباب لتطويرها لتصبح مظله امنيه جامعه لتثبيت الاستقرار في المنطقه والعالم؛ بعيدا عن محاولات الهيمنه وفرض سياسه الامر الواقع بالقوه او اشاعه الفوضي. وفيما يلي التفاصيل كامله وقعت السعوديه وتركيا وباكستان، الجمعه، «اتفاقيه مكه للدفاع المشترك»، وذلك خلال قمه بقصر الصفا في مكه المكرمه، تلبيه لدعوه كريمه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حيث استقبل ولي العهد السعودي، الامير محمد بن سلمان، الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وعقدت قمه مكه المكرمه للدفاع المشترك، واستعرضت خلالها العلاقات المتميزه بين كل من المملكه العربيه السعوديه وجمهوريه باكستان الاسلاميه والجمهوريه التركيه، وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك. وجاء في البيان الختامي للقمه ان الاتفاقيه تهدف الي تعزيز الردع الجماعي المشترك وتطوير كل اوجه التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وتنص علي ان اي هجوم مسلح علي احدي الدول الموقعه يعد هجوما علي جميع الدول الاطراف. واضاف البيان ان الاتفاقيه تستند الي «الروابط التاريخيه» والمصالح الاستراتيجيه المشتركه بين الدول الثلاث، وتهدف الي تعزيز الامن والاستقرار في المنطقه والعالم. تقاسم اعباء وفهم مشترك للامن و«اتفاقيه مكه للدفاع المشترك» هي معاهده دفاع جماعي استراتيجيه بين ثلاث قوي عسكريه وسياسيه كبري في العالم الاسلامي وتعكس حرص الدول الثلاث علي التنسيق وتعزيز امنها المشترك، بما يرفع مستوي الجهوزيه ويعزز قدرتها علي مواجهه التحديات الامنيه المشتركه وتحقيق الامن والسلام والاستقرار في المنطقه والعالم، سعيا الي مستقبل امن ومزدهر. كما انها عباره عن تعاون يركز علي الدفاع ولا يستهدف اي دوله معينه ويهدف الي تعزيز الالتزامات بالحفاظ علي السلام والاستقرار الاقليمي والعالمي علي اساس تقاسم الاعباء والفهم المشترك للامن، اضافه الي كونها ترتيب يركز علي الدفاع ويهدف الي تحسين التعاون في الصناعات الدفاعيه والتوافق العسكري وتطوير التعاون في مجال الصناعات الدفاعيه وقابليه التشغيل البيني العسكري. ولا تعني «اتفاقيه مكه» الانسحاب من اي تحالف او اتفاقيه، بل تعزز الامن الاقليمي من خلال استكمال علاقات التحالف القائمه، وتوفر ارضيه للتعاون مفتوحه امام انضمام دول المنطقه، وينظر اليها باعتبارها «عنصرا داعما للسلام والامن». ونقلت وكاله الاناضول التركيه عن مسؤولين مطلعين ان هذه الاتفاقيه ليست جبهه عسكريه هجوميه او محاوله تطويق او خطه لشن هجوم، وانما خطوه ستسهم ايضا في تحقيق هدف «منطقه بلا ارهاب» الرامي الي ضمان الاستقرار الاقليمي ولا تستهدف اي دوله، ولا تغلق قنوات الحوار القائمه. وراي المسؤولون ان «اتفاقيه مكه» ذات طابع تاريخي بكل المقاييس بالنسبه للمنطقه والعالم الاسلامي، معتبرين ان «البنيه الامنيه في المنطقه اعيد تصميمها من خلال اتفاقيه مكه». مضيفين ان عضويه تركيا في حلف شمال الاطلسي (ناتو) وشراكاتها الاقليميه ليستا بديلين احداهما عن الاخري، بل هما هياكل يكمل بعضها بعضا. حق الدفاع ودعم فرص السلام وقال الرئيس التركي في منشور علي منصه اكس ان الاتفاقيه تقوم علي مبدا الردع الجماعي، وتشمل تعزيز التعاون الامني والدفاعي بين الدول الثلاث، وتطوير مشاريع مشتركه في الصناعات الدفاعيه، والتعاون في مكافحه الارهاب، بما يعزز امن المنطقه واستقرارها. مضيفا ان الاتفاقيه تؤكد حق الدول في الدفاع عن نفسها وفق الماده 51 من ميثاق الامم المتحده باعتباره احد المبادئ الاساسيه للقانون الدولي، مشيرا الي انها لا تستهدف اي دوله ومفتوحه امام انضمام دول اخري تسعي الي السلام والاستقرار في المنطقه. واشار اردوغان الي ان تركيا ستواصل، انطلاقا من رؤيتها القائمه علي تعزيز الملكيه الاقليميه، دعم الحلول السلميه للنزاعات والازمات، من خلال احترام القانون الدولي، والحوار، والدبلوماسيه، معربا عن امله في ان تسهم الزياره والمباحثات والاتفاقيه الموقعه في تحقيق الخير والاستقرار للمنطقه، مؤكدا ان التعاون بين السعوديه وتركيا وباكستان يعكس اراده مشتركه لتعزيز الامن الاقليمي، ودعم فرص السلام والتنميه. كما اعلنت الرئاسه التركيه ان «اتفاقيه مكه» خطوه تاريخيه ضمن اطار استراتيجي اكثر رسوخا وتصون السلام والاستقرار في منطقتنا، وتدفع التعاون قدما في مجال الصناعات الدفاعيه وتعزز الامن المشترك والردع الجماعي. وبحسب برهان دوران، رئيس مديريه الاتصالات في الرئاسه التركيه، فان «هذه الاراده القويه التي اظهرتها تركيا والسعوديه وباكستان تمثل تجسيدا ملموسا لتمسك شعوب شقيقه تقف كتفا الي كتف في الاوقات الصعبه بقيمها المشتركه، ولعزمها علي بناء منظومه امن المستقبل بروح من التضامن». محطه مفصليه ووحده مصير وبدوره، اكد رئيس وزراء باكستان ان الاتفاقيه تمثل «محطه مفصليه» في مسار التعاون بين دول شقيقه تربطها الثقه المتبادله ووحده المصير، مشيرا الي ان توقيعها في رحاب مكه المكرمه وبجوار الحرمين الشريفين يضفي عليها بعدا تاريخيا ورمزيا يعكس عمق المسؤوليه المشتركه تجاه امن الدول الثلاث وخدمه مصالح شعوبها. وفي السياق نفسه، رحب الرئيس الباكستاني اصف علي زرداري بتوقيع الاتفاقيه، مشيرا الي انها تمثل محطه مهمه نحو تعزيز الشراكه الاستراتيجيه بين الدول الثلاث، واصفا اياها بانها تطور مهم من شانه تعزيز السلام والامن والاستقرار في المنطقه والعالم وستعزز القدرات الدفاعيه المشتركه للدول الثلاث، وتجسد التزامها ببناء مستقبل امن ومستقر ومزدهر لشعوبها». اراده سياسيه لحمايه الاستقرار من جانبه، قال وزير الدفاع السعودي، الامير خالد بن سلمان، ان الاتفاقيه ترسخ اطارا لشراكه دفاعيه طويله المدي تعزز الردع والتنسيق والتكامل بين بلداننا، وتدعم امن واستقرار المنطقه والعالم. من جانبه، وصف وزير الخارجيه السعودي فيصل بن فرحان، اتفاقيه مكه للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان بانها «محطه مهمه» في التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وجاء في تدوينه له علي منصه اكس ان الاتفاقيه تؤكد عمق العلاقات الاخويه والاستراتيجيه بين الدول الثلاث، وتمثل تتويجا للرغبه المشتركه في توحيد الجهود لمواجهه التحديات والتهديدات التي تمس امن المنطقه واستقرارها، وتجسد الاراده السياسيه المشتركه للسعوديه وتركيا وباكستان لحمايه الامن والاستقرار ودعم بيئه اقليميه اكثر امنا. تكامل القدرات الدفاعيه لا سباق تسلح او محور عسكري علق الدكتور رائد قرملي، وكيل وزاره الخارجيه السعوديه للدبلوماسيه العامه، بالقول ان الاتفاقيه «تاتي تجسيدا لعمق العلاقات الاستراتيجيه التاريخيه بين الدول الثلاث الممتده لعقود، وتتويجا لمفاوضات تفصيليه استمرت سنوات»، مضيفا انها «تتيح للدول الثلاث المؤسسه تطوير القدرات الدفاعيه المشتركه، والردع الاستراتيجي، ورفع الجهوزيه، والعمل علي تطوير وتكامل قدراتها الدفاعيه في التصدي المشترك لاي تهديد لامن وسلامه اراضيها». وبموجب الاتفاقيه «يعد اي هجوم خارجي مسلح علي اي من الدول الثلاث بمنزله هجوم علي الجميع»، مشددا في الوقت نفسه علي انها «لا تمثل اي توجه لبناء محور عسكري او تكتل طائفي/ مذهبي، وهي ليست مرتبطه بمساع نوويه او سباق تسليح، بل ببناء قدرات ذاتيه مستدامه». ولفت قرملي الي ان «الاتفاقيه لا تاتي علي حساب علاقات السعوديه الاستراتيجيه والقويه خليجيا وعربيا ودوليا، وليست تهديدا لامن اي دوله في المنطقه، ولا تصعيدا في التوتر بين اي دولتين»، موضحا انها «لا تلغي او تحل محل اي اتفاقيات ثنائيه او متعدده الاطراف بين هذه الدول او مع الاطراف الاخري من الدول والمنظمات». 4 اسباب جيوسياسيه ادت الي الاتفاقيه كتب البروفيسور الدكتور مراد يشيلتاش، عضو هيئه التدريس في جامعه انقره للعلوم الاجتماعيه، مدير السياسه الخارجيه في مؤسسه سيتا، مقالا لوكاله الاناضول التركيه الحكوميه، يحلل فيه اتفاقيه مكه للدفاع المشترك وتداعياتها الاقليميه، والمواقف المحتمله للدول الاقليميه الاخري. وراي انها ترسخ اطارا استراتيجيا جديدا قد تكون له تداعيات كبيره علي بنيه الامن الاقليمي، حيث تتجاوز هذه الاتفاقيه العلاقات الدفاعيه الثنائيه القائمه، وتستند الي مفهوم الردع الجماعي. وراي ان النظر الي الاتفاقيه باعتبارها مجرد تعزيز للتعاون العسكري بين ثلاث دول يعد قاصرا. فاتفاقيه مكه هي نتاج فتره من تزايد حاله عدم اليقين في النظام الدولي، وتزايد انتقائيه الالتزامات الامنيه من جانب القوي الكبري، ولا سيما الولايات المتحده، وترابط الصراعات الاقليميه. كما تكشف الاتفاقيه كيف تسعي القوي المتوسطه الحجم الي التكيف مع النظام الدولي المتغير، وكيف توحد عناصر قوتها المتنوعه، وكيف توسع نطاق مناوراتها الاستراتيجيه. وعدد الدكتور يشيلتاش 4 اسباب جيوسياسيه ادت الي الاتفاقيه وهي: • تفاقم حاله عدم اليقين في النظام الامني الدولي وتوسع التنافس بين القوي العظمي ليشمل منطقه اسيا والمحيط الهادئ، يجعل السياسه الامنيه الامريكيه اكثر انتقائيه، ما يجبر الفاعلين الاقليميين في الشرق الاوسط علي تحمل مسؤوليه اكبر عن امنهم. • تزايد الطابع الاقليمي للصراعات في الشرق الاوسط، فالحرب التي بدات في غزه، مع مرور الوقت، خلقت منطقه صراع اوسع تشمل لبنان وسوريا والعراق واليمن وايران وامن الخليج. • استخدام القوه العسكريه في المنطقه بات اقل تقييدا، اذ لم يعد الصراع بين كيان الاحتلال وايران مجرد تنافس بين طرفين، بل اتخذ طابعا يؤثر بشكل مباشر في امن المنطقه، لاسيما مع استخدام الصواريخ والمسيرات، ما يزيد من احتماليه تحول اي ازمه بسرعه الي حرب عابره للحدود. • التحول التكنولوجي في الحروب، اذ ان انتشار تقنيات الصواريخ والمسيرات، يجعل البنيه التحتيه الحيويه، ومنشات الطاقه، والمدن اكثر عرضه للخطر. ولم يعد امتلاك جيش قوي كافيا بحد ذاته، بل يتطلب الامر شبكه استخبارات قادره علي الكشف الاستباقي عن التهديدات، ودفاعا جويا متعدد الطبقات، وقدرات حرب الكترونيه، ودعما لوجستيا متواصلا، وصناعه دفاعيه مستدامه. القاده الثلاثه ادوا صلاه الجمعه في المسجد الحرام ادي ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف، صلاه الجمعه في المسجد الحرام بمكه المكرمه، علي هامش قمه مكه للدفاع المشترك. وجاء اداء صلاه الجمعه عقب انعقاد القمه الثلاثيه وتوقيع اتفاقيه مكه للدفاع المشترك، حيث عكس اداء صلاه الجمعه في المسجد الحرام، بالتزامن مع انعقاد القمه الثلاثيه، البعد الرمزي الذي تحمله مكه المكرمه باعتبارها قبله المسلمين ومركزا يجمع بين البعد الديني ومكانه السعوديه في تعزيز الحوار والتعاون بين الدول الاسلاميه، في وقت تشهد فيه المنطقه تحديات تتطلب تنسيقا وتعاونا اوثق لتحقيق الامن والاستقرار.