ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasفنون

«هو انت»… حين ينتصر الفن الاصيل

«هو انت»… حين ينتصر الفن الاصيل

امجد جمال تمثل «هو انت» ثالث اصدارات كاظم الساهر، والذي يواصل هز المشهد الفني قبل اطلاق البومه المنتظر، الذي يخصصه بالكامل للهجه العراقيه. وفيها يجدد القيصر تعاونه مع الشاعر عزيز الرسام بعد انقطاع دام اكثر من عقدين، في خطوه لا تبدو مدفوعه بالحنين وحده، بل تاتي ضمن مشروع فني ضخم يعيد تقديم الجذور العراقيه التي صنعت هويته الاولي، بصياغه اكثر بساطه وانسيابيه تناسب ذائقه الاجيال الجديده، من دون ان تمس عمقها الشعري او اصالتها. انها عوده الي المدرسه التي انجبت اعمالا خالده مثل «عبرت الشط علي مودك» و«لا يا صديقي»، واسهمت في ترسيخ مكانه الساهر عربيا منذ اواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات. وتؤكد هذه العوده ان التبسيط عند كاظم الساهر ليس مرادفا للتنازل او الاخلال، بل هو قدره علي اعاده صياغه الارث الغنائي بلغه اكثر سلاسه، مع الحفاظ علي روحه وهويته. لذلك يبدو التعاون الجديد مع عزيز الرسام امتدادا طبيعيا لمسيره بدات قبل عقود، يستلهم فيها الساهر جذوره الفنيه ليقدمها برؤيه معاصره، تجعل هذا التراث اكثر قربا من اجيال جديده، من دون ان يفقد قيمته او ملامحه الاصيله. تشريح الخذلان وصدمه العوده يستند النص الشعري للشاعر عزيز الرسام، علي مشهد مواجهه بين يطل الاغنيه والحبيب العائد بعد فوات الاوان. يستعين الرسام بالتكرار البلاغي في المطلع: «هو انت اللي بدت وياه قصتي.. هو انت الخلي بعيوني دمعتي»، و هذا التكرار لعباره «هو انت» ياتي ليكشف تناقض موقف الغريم الذي كان يوما مصدر الامان، وتحول لمصدر الم. بينما تصل الاستعارات الشعبيه العراقيه لذروتها في: «وين حبك من طحت وانهدم حيلي» باعتبارها اقصي درجات الانهاك العاطفي والجسدي، يتبعها الرسام بمقارنه اخري بين العطاء والجحود في: «هذا حال الشعل لاحبابه شمعه.. هذا حال الما عرف بالشده ربعه»؛ ليؤطر العلاقه بين محب يذوب ليضيء لغيره، وطرف غدر باصول الوفاء و«الربعه» وقت الشده. ولان النص يحمل كبرياء الروح العراقيه، فانه لا ينغمس في الحزن، بل يتحول في مقطعه الاوسط الي تلويح بالانتقام عبر العداله الشعريه او «الكارما» في : «اللي يظلم ينظلم.. واللي يحرم ينحرم.. واللي ما يرحم دمع هو همه ينرحم»، وفي هذا المقطع ينساب الايقاع بسجع حاد وافعال مبنيه للمجهول، متوعدا باسلوب غير مباشر بحتميه رد الاعتبار وزوال الظلم. العبقريه في اللحن والموسيقي تكمن عبقريه هذا العمل في اللحن والموسيقي التي يحاكي بها الجيل الجديد والجيل القديم معا، فقد صاغ القصير لحنا يتنفس مع النص، ويتحول معه في كل منعطف درامي، حتي تبدو الموسيقي شريكا في السرد لا مجرد خلفيه له. يبدا العمل بمقدمه اسره من مقام الكرد علي درجه صول، تمتزج فيها همهمات كاظم بعزف الناي في مشهد موسيقي بالغ الشاعريه، يؤدي دور الراوي الذي يفتح ابواب الحكايه، وكانه يهمس للمستمع: «كان يا ما كان»، قبل ان يبدا السرد الغنائي. ومنذ تلك اللحظه، يتدرج اللحن بذكاء بين الترقب والتحدي والانكسار، مجسدا بدقه التحولات النفسيه والدراميه في المواجهه بين العاشق وغريمه، في بناء لحني متماسك يثبت قدره الساهر النادره علي تحويل الكلمه الي مشهد، والمشهد الي موسيقي نابضه بالحياه. يستمر مقام الكرد في المذهب: «هو انت...»، محافظا علي حاله الشجن المتزن، مع التفاته قصيره لمقام العجم في «هسه جيت بمسكنه..». وتتجه الجمل اللحنيه الي مساحه اداء اكثر شجنا وتعبيرا في قفلات الكوبليه، خصوصا عند «اويلي» و«حيلي»، حيث يترك اللحن لصوت كاظم مساحه مناسبه للانفعال، يؤكد من خلالها القيصر انه الصوت الذي لا يفقد بريقه. ومع بدايه الكوبليه الثاني، يحدث التحول الدرامي الابرز، اذ ينتقل اللحن الي مقام الحجاز علي درجه صول عند عباره «اللي يظلم ينظلم»، وهو انتقال محسوب، فالحجاز بطبيعته المقاميه يحمل طابعا دينيا روحانيا، ليمنح الكلمات احساسا اقرب الي العظه والرهبه، اثناء التلويح بالكارما. ويبلغ الاداء ذروته في هذا المقطع، حيث يغلفه كاظم الساهر بذلك الاحساس الدافئ الذي ظل لعقود احد ابرز بصماته الغنائيه. ثم يلين الخطاب الموسيقي ويذهب لمنطقه الشجن مع انتقاله قصيره الي مقام البيات في عباره «قلت عني قاسي»، حيث يستبدل اللحن نبره العظه بنبره اقرب الي العتاب. ولا يكتفي القيصر بكل هذه الانقلابات اللحنيه، بل ينتقل ايضا لمقام النكريز علي درجه (فا) في «وهسه شتغير وجيت»، ثم يختم المقطع بتصاعد طربي مثير يؤكد ان الزمن لم بصوته الا ان زاده نضجا. قبل ان يغلق الدائره بالعوده الي مقام الكرد في «هو انت…»، وكان الموسيقي تعود الي نقطه البدايه لتؤكد ثبات بطل الاغنيه علي موقفه وعدم تراجعه امام استعطاف غريمه العائد بعد غدر. تلك التنقلات المقاميه تعد جزءا من البناء الدرامي للاغنيه؛ فكل مقام ياتي في موضعه النفسي، وكل انتقال يواكب شعور لدي البطل، ليؤكد ان كاظم الساهر ما زال ينتمي الي جيل يؤمن بان المقامات الموسيقيه عنصر سردي وليست زخرفه. انقاذ من «الموسيقي البلاستيكيه» علي الصعيد الموسيقي، تاتي «هو انت» في وقت تعاني فيه الساحه الموسيقيه من طغيان الموسيقي المصنوعه عبر ادوات الذكاء الاصطناعي، وهنا بالتحديد، يؤكد كاظم ثباته علي المدرسه الكلاسيكيه الحيه التي ترسخ لقيمه العازف البشري وصدقه. في العمل الذي وزعه موسيقيا «محب الراوي» برؤيه كاظم الساهر، لا تجد وتريات مبرمجه جافه او ايقاعات بلاستيكيه مستنسخه؛ بل تسمع وتعيش حيويه الموسيقي الحيه؛ اوتار العود والقانون والوتريات الشرقيه الشجيه وشهقات الناي وتالفات الجيتار الكلاسيكي مع الايقاعات الشرقيه والرومبا العراقيه التي يعزفها عازفون بشريون ينبضون مع كل شطره غنائيه، وهذا اصبح نادرا اليوم. الرهان علي الاصالـه تاتي «هو انت» لتؤكد للمره الثالثه ان عوده كاظم الساهر للهجته الام هي عوده لنبع الروح الحقيقيه؛ عوده الي الرفاق الاوائل كـ عزيز الرسام، وثبات علي موقف الالات الحيه والعازف الانساني الصادق في زمن التلاعب والاستسهال.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓