التضخم التشريعي.. حين تصبح كثره القوانين عبئا

غالبا ما تقاس قوه الدوله القانونيه بكثره تشريعاتها، حتي اصبح اصدار قانون جديد ينظر اليه بوصفه دليلا علي التطور التشريعي ومواكبه المتغيرات. غير ان هذه النظره ليست صحيحه علي اطلاقها، فكما ان غياب التشريع قد يخلق فراغا قانونيا، فان الافراط في التشريع قد يخلق نوعا اخر من الفراغ، يتمثل في غياب الوضوح واستقرار القواعد القانونيه، وفي هذا السياق، برز في الفقه القانوني ما يعرف بـ«التضخم التشريعي»، وهو الحاله التي تتحول فيها كثره النصوص القانونيه من وسيله لتحقيق التنظيم الي مصدر للضبابيه والتعقيد، وقد تتداخل النصوص او تتقاطع، فتتباين التفسيرات، ويزداد الغموض بدلا من ان يتحقق الوضوح. وتبرز اثار هذه المشكله بصوره اوضح في البيئه الاستثماريه، فالمستثمر لا يبحث عن كثره القوانين، وانما عن منظومه قانونيه مستقره وواضحه يمكن التنبؤ بها، فاليقين القانوني احد اهم عناصر جذب الاستثمار، لانه يمكن المستثمر من تقدير حقوقه والتزاماته مسبقا، ويخفض تكلفه الامتثال، ويحد من المخاطر الناجمه عن الغموض او اختلاف التفسيرات، اما البيئه التي تتغير فيها القواعد باستمرار، او تتعدد فيها الجهات المنظمه، فانها قد تخلق حاله من التردد، حتي وان كانت التشريعات تهدف في اصلها الي حمايه السوق وتنظيمه. وتتجلي هذه الاشكاليه بوضوح في البيئه التجاريه الكويتيه، حيث لا يواجه المستثمر الاجنبي نقصا في التشريعات بقدر ما يواجه عبئا في تحديد القواعد القانونيه الواجبه التطبيق. فتبدا رحلته مع قانون التجاره، ثم قانون الشركات، وقانون الوكالات التجاريه، وقانون السجل التجاري، ومن جانب اخر، قانون تشجيع الاستثمار المباشر، فضلا عن اللوائح التنفيذيه والقرارات والتعليمات الصادره عن الجهات المختصه. وقد يزيد الامر تعقيدا مع وجود تداخل او اختلاف في نطاق تطبيق بعض هذه التشريعات، الامر الذي يفرض علي المستثمر البحث بين اكثر من مرجع قانوني لفهم معامله واحده. ومن ثم، فان المستثمر لا يبحث عن كثره القوانين بقدر ما يبحث عن وضوحها وسهوله الوصول اليها، فكلما احتاج الي التنقل بين التشريعات المتفرقه لفهم مساله واحده، تراجعت سهوله ممارسه الاعمال، وضعف اليقين القانوني، الذي يعد احد اهم عناصر جذب الاستثمار. وليس المقصود من ذلك التقليل من اهميه التشريع، او الدعوه الي الحد من التنظيم القانوني، وانما التاكيد علي ان جوده التشريع تظل اهم من كثرته، فالتشريع الناجح ليس هو الاكثر عددا او تفصيلا، بل الاكثر وضوحا واتساقا وقابليه للتطبيق. فالقانون وجد لتحقيق الامن القانوني، لا لاضافه مزيد من التعقيد الي العلاقات التي ينظمها، ومن هنا، تبرز اهميه المراجعه التشريعيه الدوريه، ليس بهدف اضافه نصوص جديده كلما ظهرت مشكله، وانما باعاده تقييم المنظومه القانونيه، وتبسيطها، وازاله التكرار، ومعالجه التعارض، وتوحيد المرجعيات التنظيميه قدر الامكان. فالتطوير التشريعي الحقيقي لا يقاس بعدد القوانين التي تصدر، بل بقدرتها علي تحقيق الوضوح والاستقرار والكفاءه. ولعل المفارقه ان التضخم التشريعي قد يجعل تطبيق قاعده «لا يعذر احد بجهله بالقانون» اكثر صعوبه من الناحيه العمليه، لا لقصور في القاعده ذاتها، وانما لضخامه حجم المنظومه التشريعيه وتشعبها، بما يجعل الاحاطه بجميع تفاصيلها امرا يزداد مشقه حتي علي المتخصصين، وكما ان «الصمت قد يكون ابلغ من كثره الكلام»، فقد تكون قله التشريعات المحكمه اكثر فاعليه من وفره النصوص المتفرقه.. فالنصوص والتشريعات حين تتكاثر دون ضوابط لا تنتج يقينا اكبر، بل تنتج قدرا اكبر من عدم اليقين. د. فاطمه الشريعان