ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasرياضة

ميسي.. حين قررت الكره ان تكتب سيرتها بقدم واحده!

ميسي.. حين قررت الكره ان تكتب سيرتها بقدم واحده!

سعديه مفرح - لو سئلت كره القدم عن اكثر لحظاتها اكتمالا، لما اجابت باسم بطوله، ولا بعنوان ملعب، ولا بتاريخ مباراه. ستتذكر، علي الارجح، قدما يسري كانت تعاملها بحنان الرسامين، وذكاء الشعراء، وصبر العازفين. هناك بدا اسم ليونيل ميسي يتجاوز حدود الرياضه، ويصبح حكايه عن الموهبه حين تبلغ من الصفاء ما يجعل المستحيل يبدو فعلا يوميا يتكرر امام ملايين العيون. نعم.. هناك لاعبون يملاون خزائنهم بالكؤوس، وهناك لاعبون يملاون ذاكره الناس بالدهشه. اما ليونيل ميسي، فقد فعل الامرين معا، ثم ترك وراءه ما هو ابقي من الارقام والبطولات؛ ترك اثرا يصعب شرحه، ويستحيل نسيانه. لذلك لم يعد اسمه مجرد اسم في تاريخ كره القدم، وانما صار مرادفا لذلك الجمال النادر الذي يزور اللعبه من حين الي اخر، فيذكرنا بان الرياضه تستطيع ان تكون فنا، وان الموهبه حين تبلغ ذروتها تتحول الي لغه يفهمها الجميع. لم يكن ميسي اكثر لاعبي كره القدم حديثا، ولا اكثرهم ميلا الي صناعه الصوره حول نفسه. كان يدخل الملعب بهدوء من يعرف ان ما سيقوله سيكون بقدميه. وما ان تلامس الكره قدمه حتي يتبدل ايقاع المباراه، ويصبح الزمن اكثر بطئا، والمسافات اقصر، وتغدو قوانين اللعبه كانها تفسح له الطريق. تشعر وانت تتابعه ان الكره تعرف وجهتها قبل ان يلمسها، وان الملعب كله يتحرك وفق خريطه لا يراها سواه. كثيرون يسجلون اهدافا، وكثيرون يصنعون امجادا، اما ميسي فكان يصنع احساسا جماعيا نادرا. كان يجعل الملايين ينهضون في اللحظه نفسها، ويحبسون انفاسهم في اللحظه نفسها، ويبتسمون للدهشه نفسها. وذلك ما يتجاوز حدود الرياضه، لان اجتماع هذا العدد الهائل من البشر علي شعور واحد يظل معجزه صغيره تتكرر كلما حمل الكره وانطلق بها. كان المواهب حين وزعت علي البشر، كان نصيب ذلك الطفل الارجنتيني اكبر من ان تستوعبه المقاييس المعتاده. شيء لا تفسره العلوم، ولا تحيط به الاحصاءات، ولا تختصره سجلات الارقام. فالارقام تحفظ عدد الاهداف، لكنها تعجز عن عد القلوب التي تسارعت نبضاتها وهي تراقب مراوغاته. وهي تحصي الكؤوس، وتعجز عن احصاء الاطفال الذين صاروا يحلمون بقدمه اليسري اكثر مما يحلمون بالعابهم. يبدو احيانا كانه لا يركض فوق العشب، وانما يعبره كما تعبر النسمه صفحه الماء. والكره لا ترتطم بقدمه، وانما تنقاد اليها برضا غامض. والمدافع لا يخسره لان خطواته اسرع، وانما لانه يدرك متاخرا ان ميسي سبق الفكره قبل ان يسبق الحركه. ولهذا كانت مراوغته فعلا من افعال الذكاء، وكانت تمريرته جمله مكتمله المعني، وكان الهدف خاتمه طبيعيه لحكايه بدات منذ استلم الكره. واجمل ما في ميسي انه لم يقض عمره في ملاحقه صورته. كان يلعب لان اللعب لغته الاولي، ولان الكره وطنه الوحيد الذي لا يحتاج الي جواز سفر. وكلما حاول العالم ان يضيف اليه لقبا جديدا، اكتفي بابتسامته الخجوله، وعاد الي الملعب، وترك لقدمه مهمه الاجابه عن كل الاسئله. ويشبه في ذلك كبار الفنانين الذين لا يكثرون الحديث عن الفن، لان اعمالهم تتولي هذه المهمه. ويشبه الاشجار المثمره التي تنشغل بانتاج ثمارها اكثر من انشغالها باقناع الناس بانها مثمره. ولهذا بقي حضوره نقيا، بعيدا من الاستعراض، وقريبا من الجوهر الذي يبحث عنه الناس في كل موهبه حقيقيه. ولان العبقريه كثيرا ما تبدا من امتحان قاس، فقد بدات حكايته من جسد صغير قيل له انه لن ينمو كما ينبغي. توقفت التوقعات عند حدودها، واشتدت الظروف، ووقفت العوائق في طريق ذلك الصبي، فيما كانت الموهبه تواصل سيرها بثقه هادئه، وكانها تعرف الطريق قبل الجميع. كانت تهمس له: امض، وستفتح لك الابواب التي لا يراها سواك. وكبر الصبي، وكبرت معه احلام مدن كامله. صار اسمه يتردد في الازقه الفقيره كما يتردد في القصور. وصارت صورته معلقه في غرف اطفال لا يعرفون الاسبانيه، ولا يعرفون الارجنتين، ويعرفون جيدا ان هناك رجلا يجعل الكره اجمل مما هي عليه. ومن اجمل ما انجزه انه اعاد شيئا من البراءه الي لعبه اثقلتها الحسابات التجاريه. بقي في داخله ذلك الطفل الذي يركض خلف الكره لانه يحبها. ولذلك احبه الناس عندما انتصر، واحبوه عندما خسر، واحبوه عندما بكي. كانوا يرون فيه لاعبا يملك موهبه استثنائيه، ويملك في الوقت نفسه هشاشه البشر وصدقهم، ولذلك بدا قريبا من الجميع مهما ابتعدت المسافات. وحين رفع كاس العالم في الدوحه عام 2022، شعر كثيرون انهم يشاهدون نهايه الحكايه التي انتظروها طويلا. لم تكن تلك اللحظه مجرد فوز في مباراه نهائيه، وانما اكتمال رحله طويله تعثرت مرارا ثم بلغت غايتها. بدا المشهد كانه الصفحه الاخيره في روايه اصرت علي ان تمنح بطلها النهايه التي يستحقها، وان تكافئ صبره بكل ذلك الفرح المؤجل. والحياه لا تمنح الخلود لاحد، لكنها تمنح بعض الاسماء اثرا يعاند النسيان. وميسي واحد من تلك الاسماء. قد يظهر لاعب اسرع، وقد ياتي اخر اكثر قوه او اكثر تسجيلا، غير ان الاثر الذي يتركه لاعب في وجدان الناس لا يخضع للمقارنات. فالموهبه قد تتكرر، اما ذلك الاحساس الذي يرافقها فلا يتكرر الا نادرا. وسياتي يوم تنطفئ فيه اضواء الملاعب، وتتحول المباريات الي تسجيلات قديمه، ويبقي طفل في شارع بعيد يراوغ ظله بالطريقه نفسها، من دون ان يعرف انه لا يقلد لاعبا، وانما يقلد حلما. وسيبتسم رجل مسن كلما سمع اسم ميسي في حديث عابر، لانه عاش زمنا كانت المعجزه الكرويه تزوره فيه كل اسبوع. ولو ان الكره امتلكت القدره علي كتابه مذكراتها، لما بدات بتاريخ اختراعها، ولا باسماء البطولات التي طافت بها القارات، ولا بالملاعب التي احتضنتها. ستبدا، علي الارجح، بجمله واحده تختصر الحكايه كلها: «عرفت اقداما كثيره، ومره واحده فقط شعرت انني اعود الي بيتي.. وكان ذلك حين لامستني قدم ميسي».

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓