الدرجه الكامله في الثانويه.. انجاز ام مؤشر يستحق الدراسه؟

مع كل اعلان لنتائج الثانويه العامه، تتجه الانظار الي نسب النجاح واسماء المتفوقين، ويشارك المجتمع الطلبه واسرهم فرحه الحصاد بعد عام دراسي طويل، وهذا امر طبيعي ومستحق، فالتفوق ثمره اجتهاد يستحق كل تقدير. لكن نتائج هذا العام حملت رقما يستحق التوقف عنده، وهو حصول 58 طالبا وطالبه علي الدرجه النهائيه الكامله (100%). لا احد يشكك في اجتهاد هؤلاء الطلبه او يستكثر عليهم النجاح، ولكن من حق المجتمع ان يتساءل: هل من الطبيعي ان يحصل هذا العدد علي العلامه الكامله في جميع المواد؟ وهل تعكس هذه النتيجه مستوي استثنائيا لدي الطلبه، ام انها تعكس طبيعه الاختبارات واليه اعدادها؟ في علم القياس والتقويم، لا يقاس نجاح الاختبارات بنسبه النجاح فقط، ولا بعدد الحاصلين علي الدرجات المرتفعه، وانما بقدرتها علي التمييز بين مستويات الطلبه، فالاختبار الجيد يجب ان يفرز الطالب الجيد، والمتميز، والاستثنائي، وان يتضمن اسئله تقيس الحفظ والفهم والتحليل والتطبيق والاستنتاج، لا ان تكتفي بقياس قدره الطالب علي استرجاع المعلومات. ومن هنا تبرز اهميه هذا الرقم. فالدرجه النهائيه الكامله تعني ان الطالب لم يفقد نصف درجه واحده في اي ماده، ولم يرتكب اي خطا طوال سلسله من الاختبارات المختلفه. وهذا انجاز كبير اذا تحقق، لكنه في الوقت نفسه يجعل من المشروع التساؤل: هل كانت الاختبارات بمستوي من الصعوبه يسمح فعلا بالتمييز بين افضل الطلبه؟ ام ان تصميمها جعل الوصول الي الدرجه الكامله اكثر سهوله مما ينبغي؟ في كثير من الانظمه التعليميه المتقدمه، ينظر الي كثره الحاصلين علي العلامه الكامله باعتبارها مؤشرا يستوجب مراجعه جوده الاختبارات، وليس بالضروره ان يكون انجازا تعليميا. فكلما زاد عدد اصحاب الدرجه النهائيه، برز سؤال اساسي: هل استطاعت الاسئله ان تميز بين المتفوق والمتميز، ام انها توقفت عند قياس الحد الادني من المهارات المطلوبه؟ لذلك، فان وزاره التربيه مطالبه اليوم بتقديم توضيح علمي للراي العام، ليس دفاعا عن النتائج، وانما تعزيزا للثقه بها. فمن المهم ان تبين الوزاره كيف اعدت الاختبارات، وما المعايير التي استندت اليها، وهل خضعت لتحليل احصائي بعد التصحيح لقياس معامل الصعوبه ومعامل التمييز؟ وهي مؤشرات معروفه عالميا للحكم علي جوده الامتحانات. كما سيكون من المفيد ان توضح الوزاره ما اذا كان عدد الحاصلين علي 100% هذا العام يعد ضمن المعدلات الطبيعيه مقارنه بالاعوام السابقه، ام انه يمثل حاله استثنائيه تستحق الدراسه، وما اذا كانت هناك مراجعات دوريه لاليه اعداد الاختبارات، لضمان استمرار قدرتها علي قياس مستويات التفكير المختلفه. ان الشفافيه في عرض هذه المعلومات لا تهدف الي اثاره الجدل، بل الي ترسيخ الثقه في الشهاده الثانويه باعتبارها احدي اهم المحطات التعليميه في حياه الطالب، فكلما كانت معايير التقييم واضحه ومعلنه، ازداد اطمئنان المجتمع الي ان النتائج تعكس بالفعل مستوي الطلبه الحقيقي. وفي النهايه، يبقي الاحتفاء بالمتفوقين واجبا لا خلاف عليه، فهم بذلوا الجهد واستحقوا التكريم. لكن من الواجب ايضا ان نطرح الاسئله التي تعزز جوده التعليم، لان قوه اي نظام تعليمي لا تقاس بعدد اصحاب الدرجه الكامله، بل بقدرته علي اعداد اختبارات دقيقه وعادله، تمنح كل طالب ما يستحقه، وتمنح المجتمع الثقه بان الدرجات تعكس الكفاءه الحقيقيه. ولهذا، فان الاجابه الواضحه من وزاره التربيه علي هذه التساؤلات ستكون خطوه مهمه في تعزيز مصداقيه نتائج الثانويه العامه، وترسيخ الثقه في منظومه التعليم باكملها. وليد ابراهيم الخبيزي