هل دخلت المنطقه في مرحله «لا حرب لا سلم»؟

محرر الشؤون الدوليه: دخلت المنطقه في جوله جديده من التصعيد العسكري، تكشفت من خلالها الهشاشه البالغه لـ«مذكره التفاهم»، ووقف اطلاق النار المؤقت الذي لم يصمد طويلا بين الولايات المتحده وايران. ففي يوم الثلاثاء، اقدمت طهران علي خرق صريح للتفاهمات باستهداف سفن تجاريه وناقلات اثناء عبورها مضيق هرمز. هذا الاستهداف المباشر عكس رغبه ايرانيه واضحه في اختبار حدود الصبر الامريكي، وفرض واقع ملاحي وجيوسياسي جديد بقوه السلاح. الرد الامريكي جاء سريعا وحاسما، اذ شنت القياده المركزيه الامريكيه ضربات جويه مكثفه استهدفت مواقع عسكريه وبني تحتيه حيويه في ايران، بالتزامن مع قرار سياسي صارم بالغاء التصريح ببيع النفط الايراني، ما اعاد الجانبين الي مربع المواجهه المفتوحه. ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، بل تكرر سيناريو المواجهه العنيفه ليل الاربعاء؛ حيث واصل الطيران الامريكي دك اهداف حيويه ومنصات صواريخ داخل ايران لتقويض قدراتها البحريه. وفي المقابل، اختار الحرس الثوري الايراني تصدير مازقه الداخلي عبر شن اعتداءات طالت الكويت، والبحرين، والاردن. معركه كسر الارادات وسلاح المضيق ويشي المشهد الحالي بتحول عميق في طبيعه الصراع بالشرق الاوسط، فـ«الحرب الكبري» بمفهومها التقليدي قد توقفت او جري تجميدها، لتفسح المجال امام «الحروب الصغيره» والمحسوبه، وعنوانها الابرز اليوم هو «مضيق هرمز»، الذي تحول الي ساحه دوليه لكسر الارادات. ويتضح من السلوك الميداني الاخير ان ايران لا تستخدم المضيق لغايات عسكريه واستراتيجيه فحسب، بل تمارس «سياسه ابتزاز مالي»، عبر محاوله فرض رسوم مرور علي السفن، وهي تتمسك بالسيطره علي هذا الممر المائي كخيار استراتيجي لا رجعه عنه. لقد اكتشفت طهران انه يوازي من حيث الاهميه والمفعول امتلاك «السلاح النووي»، وتملك من خلاله القدره علي خنق اقتصاد العالم باسره. حافه الهاويه امام هذا المشهد التصعيدي، يبرز السؤال الجوهري: كيف ستقابل واشنطن والعالم هذا السلوك الايراني؟ وهل ستنزلق المنطقه مجددا الي اتون الحرب الشامله؟ ان السقوط السريع لترتيبات التهدئه يعود بالاساس الي غياب الضمانات المتبادله والملزمه بين الطرفين، ما حول مذكره التفاهم من مشروع لسلام مستدام الي مجرد «هدنه مؤقته»، تفتح الباب لاعمال عسكريه قد تخرج عن السيطره في اي لحظه. وضمن هذا السياق، يبدو واضحا ان طهران تجيد لعبه «التفاوض المطاطي»، فهي تحرص علي استمرار اجواء المفاوضات الطويله والهدن المؤقته بما يخدم مصالحها. ولا يمكن فصل هذه العمليات العسكريه الجاريه عن طاوله الدبلوماسيه، فهناك مؤشرات قويه علي انها تصب في خانه «الضغط الخشن» لتحسين شروط التفاوض، فطهران لا تبحث عن مواجهه انتحاريه بقدر ما تبحث عن اوراق قوه اضافيه. وعلي الرغم من التصعيد المستمر، فمن المبكر جدا الحديث عن انهيار نهائي وجذري للمفاوضات، فالجانبان يتبعان بوضوح استراتيجيه «حافه الهاويه»، بهدف تحقيق مكاسب تفاوضيه لا خوض حرب مفتوحه لا يريدها احد. خيارات ترامب «المكلفه» وبحسب تقرير لصحيفه «نيويورك تايمز»، فان الرئيس الامريكي دونالد ترامب راهن علي ان المصالح الاقتصاديه ستدفع القياده الايرانيه الي تغيير سلوكها، لكنه اصطدم باستمرار «منطق المواجهه» المترسخ في عقيده النظام الايراني منذ عام 1979. ومع انهيار وقف اطلاق النار، يجد ترامب نفسه امام ثلاثه مسارات احلاها مر، وكلها مكلفه: -1 تصعيد عسكري واسع: قد يجر واشنطن الي وحل حرب اقليميه جديده لا تحظي باي تاييد داخلي امريكي. -2 حصار اقتصادي وبحري طويل الامد: يتطلب وجودا عسكريا امريكيا مكثفا ومستنزفا لردع طهران في مياه الخليج. -3 القبول بحاله «لا حرب لا سلم»: القائمه علي جولات متقطعه ومستمره من الضربات المتبادله والمفاوضات العبثيه. وفي هذا الصدد، نقلت الصحيفه عن ريتشارد فونتين، الرئيس التنفيذي لمركز الامن الامريكي الجديد CNAS، قوله ان جميع الخيارات المتاحه امام واشنطن اليوم «غير جذابه». وتوقع فونتين ان تشهد المرحله المقبله هجمات متبادله منخفضه الحده، تتخللها وساطات دبلوماسيه ووقف هش لاطلاق النار، قبل العوده مجددا الي جوله جديده من القتال، واصفا هذا المشهد بانه «تذبذب طويل وثقيل بين حرب بارده وحرب ساخنه محدوده». وبناء علي ذلك، يمكن القول ان المنطقه لا تتجه في المدي المنظور نحو سلام دائم ومستقر، كما انها في الوقت ذاته ليست في طريقها نحو حرب شامله ومدمره. السيناريو الاكثر واقعيه، هو الدخول في مرحله معقده عنوانها الاوحد: «اداره الصراع» والتارجح بين بروده الدبلوماسيه وسخونه الميدان.