مازق الاجوبه الجاهزه تحرير «الشر» من الجدل

اسماء جزائري حيلنا مازق «جزيره ابستين» الي مازق العقاب، الذي يتم الاطاحه به فور تجاوز مقدره الانسان مقدره القوانين، فنبدا في التساؤل عن ماهيه وجود «العداله» او اخترعها؟ في الوقت الذي يريد فيه الانسان اختراع جدله - بعد ان ينتهي الجدل كطرح ضروري يقحم فيه الجميع دون تخطيط - يرتمي داخل الاسئله التي تقترب من اجابته في لعبه سقراطيه، سلسله تعجز الذات المقابله عن ادراكها، فيتدخل في اجوبه الاخرين دون ان يفهموا الاسئله الموجهه اليهم، وحينما يحاول الانسان نفسه خداع جدل الاخرين يلقي بنفسه داخل اجوبته الجاهزه دون العوده الي اللعبه السقراطيه، لقد احتل الحوار واختفت منه الاطراف المشاركه بتحولها الي اذان صاغيه، انه مازق لا يشمل فقط العلاقه الافقيه مع الاخر، بل ويتعداه الي تلك العلاقه اللامحدوده العموديه، التي تربط الوجود بالسماء، وفي هذه المفارقه يتم تحرير الشر من الجدل العمودي وربطه بمفهوم العداله الالهيه الافقيه داخل الذوات المتلقيه الخاضعه للافكار، فعرفنا عبر التاريخ الكثير من الرموز الشريره، مثل سيت في الحضاره المصريه القديمه، تيامات في بلاد الرافدين، تايفون في اليونان القديمه، اهريمان في الزادشتيه.. وغيرها مما سعي الانسان خلف انسنته من الغيبيات وانزاله داخل المفاهيم لضبط حقيقه الشر والخير وعلاقتها بالصمت الشامل. فهل يمكن للذات المفكره ان تعيد التحرير من تهمه الصمت ام انها وعن طريق الجدل تعيد اليها الحوار؟ حينما يصمت المشاهير نهاجمهم، ونلغي متابعتنا لهم، نضغط عليهم وننتزع منهم الكلام، اذ لا يحق للصمت ان يعلو في اوقات حرجه، لكننا لا نفعل ذلك تجاه القوي الصامته، التي رسمت لنا الحياه والقيم، واستطاعت ان تتدخل في كل صغيره وكبيره، ثم تركت الضعفاء يواجهون لوحدهم الانسان ما بعد موت العداله، ها هي صامته الان عن شرورهم، صامته بينما يموت الاطفال، هكذا يغضب الكثير من الناس المقهورين، الذين تم تحويلهم في مسيره الخلق الي من يسلط عليهم العنف، هم الحلقه التي تختبر فيها البشريه اخلاقها، ولعل هذا المصير القاسي هو ما يجعل الغضب حقا مشروعا، والتخلي عن بعض مظاهر الطاعه ما هو الا تعبير مضاعف عن الطاعه الكليه، لكن بطريقه اشد قتامه. ان الانسان مؤمن بانه مطيع، بل ومارس كل تلك الطاعه بالمستويين العقلي والعاطفي لذلك يصبح الغضب علي نحو كهذا تاكيدا عليها لا التخلي عنها، ففي جريمه الايزيديات اللواتي تعرضن لاشنع انواع القهر، اول شيء قامت به النساء حينما عجزن عن احتمال كل تلك الوحشيه تحت صمت العالم، هو نزع محرمات الراس ورميها عاليا، لم يجد الانسان وسيله للتعبير عن غضبه من ذلك الصمت الا بتخليه عن الوسائل الظاهريه للطاعه، فالامر ذاته في الحرب علي غزه، حينما كتب احد الاصدقاء الغزاويين عن زوجته التي تخلت عن الاسدال في لحظه فارقه لم تجعله يستغرب بل تمسك في رغبتها، لانهما عاشا وحشيه الاعتداء وقسوه صمت الكون معا، فهل يتخلي الانسان عن الطاعه اذا ما رايناه يرمي وسائله؟ الغياب القاسي لا اعتقد ان الانسان محموم بوجود الذي ينتقم له في الاخير، بتسليط العقاب علي المعتدين، يمكن ان يسقط تحت ضربات الشر، ان فكره مثل هذه تجعل المكسورين ينهضون من جديد، فرمي وسائل الطاعه لا تعني مطلقا ان الفرد تخلي عن الذي ايقن في قسوه مرت عليه، وانه تم التخلي عنه، يمكن لقلبه ان يسكن بينما يداه تلقيان الذات الضعيفه القادره علي الاستمرار، يرفض الوجود الغاء المجهول، لكنه في ظل ذلك الغياب القاسي يجادل، ربما لهذا سخر نتشيه قائلا: لطالما ضحكت من الضعفاء، الذين يظنون انفسهم اخيارا، لان ليس لديهم مخالب، ان الخيرين منهم من هو خير لموازنه حياه شريره اوقفت جدلها، ومن هو خير كنتيجه تيقنتها ذاته، فالضعيف احيانا يلجا الي الاخلاق «خير» حتي يخفي ضعفه، انه لا يملك تلك المقدره علي مواجهه غريمه بالقوه، فيحاول حمايه نفسه بارتداء الطيف الابيض، لهذا يظل الانسان المغمور بفكره العداله والغارق في الخير المفرط يتساءل عن ردود الفعل من البشاعه، التي تسلط علي الابرياء، ومن عدم محاولته ايقاف التجاوزات، فيجبر في الاخير فوج علي التسليم بانه يمتحنهم، اما الفوج الاخر فيرجح انه تخلي عنهم، وبعد ان يتخلي الانسان عن فكره تعريضه لهذه التعاسه والبشاعه يبدا في فهم ماهيه الوجود. فهل قست فكره العداله علي الانسان وجردته من اعتماده علي قوته؟ التبرير للمساوئ ان الانسان يعاني من عقد نفسيه كثيره داخل شخصيه واحده، لذلك اصابته بردات فعل غريبه تعني اننا امام مرضي اكثر مما نحن امام اشخاص، والتعامل مع المجتمع كمصاب يسهل علينا التشخيص دون الشعور بالعداء مع مجتمعاتنا، مصابون ومن دون وعي منهم بما يسمي بـ«متلازمه استوكهولم»، وهذا الامر لا يستثني اولئك الذين يدافعون عن الادباء والمفكرين والرسامين اكثر من دفاع المعنيين عن انفسهم، اقصد يدافعون عن حقهم في «ممارسه الشر» لا عن افكارهم، وهو نوع من اعاده صناعه رمز، بما ان الانسان لا يستطيع العيش من دونه، هذا الرمز الذي يرفضون جانبه الشرير، فبمجرد ان تصبح كذلك تكتسب الخير كله، وما يجري انه ثمه عمليه استحواذ وغزو لاشعوري يتعرض لها الافراد، لانهم غير مستعدين تماما لمواجهه خطر خساره البشريه الشريره، التي تستطيع الاختفاء خلف سماء محميه بكتبها، وهذا يحيلنا الي مسافه الشرير (موضوع يحتاج الكتابه المعمقه)، فيتم استنطاقه عبر افواه مصابه بحاجته للكلام، متنازله عن كلامها الواقعي، استمداد القداسه لتغليف عقد نفسيه، لكنها في الاخير لن تصبح عقدا مقدسه، بل ستظل امراضا، هذا ما يجعلهم يخترعون الطرق، وان لم يجدوها راحوا وقتها للعمليه المعاكسه «التبرير للمساوئ». موت المعاناه تطور الضحيه مشاعرها الايجابيه تجاه جلادها، فتذهب الي التاريخ او الكتب، ليشفع له ذلك التغاضي ما اسميه «بعث العزاءات المسمومه»، فحينما تموت شخصيه مثل الزعماء - حتي وان اطاحوا به بسبب فساده - يعودون في وفاته، ويبحثون عن حسناته المجهريه، يريدون ان يكونوا منصفين، فيحكمون كعادتهم بالخير، الانسان مغمور بهذه الفكره، يستعين باتكائه علي الرموز لانصاف امراضه النفسيه، استيقاظ الرحمه فجاه لها علاقه بالاحتجاز النفسي للدفاع عن خضوع تلك الذات المريضه لا بالرحمه نفسها، فالرحمه الحقيقه لها وجه «المحاسبه لا التجاوز عن سيئاته»، ولان هذه الضحيه لا تستطيع مقاومه الجلاد وقوته، تمتص قوانينه لتمر فوق الجسر الذي يربط الطفل او الضعيف عموما من طور الطبيعه الي الثقافه، ولانه يتعذر عليها امتلاك السلطه تلجا الي قاعده بان تقيم علاقه صادمه مع صاحب السلطه، الذي يعذبها، وتظهر هنا عقده اوديب عند فرويد، والاخ الاكبر الذي يراقبك، والتي تحدث عنها جورج اورويل في عمله الديستوبي 1984. ان مساله وجود الخير في المطلق تتعارض مع فكره وجود الشر، الخير كله يعني موت المعاناه، الخير في المطلق يمتلك كامل القوه لوقف الاعتداء، وسيرفض بالضروره ان يموت الابرياء، او وسيرفض كل المعاناه التي تحدث، ولو علي اثر مرض خبيث، لكن المعادله الوجوديه هذه لا تحترم شروط ما بنت عليه البشريه اجوبتها الجاهزه، لقد حررت الشر حينما سعت جاهده لتحرير العداله من الجدل، بل ورتبت للانقلاب الي مكان بعيد يصعب تحديده بالدوائر والخطوط، فنجت بذلك من «الحقيقه»، ورمي الانسان بكل ثقله الوجودي علي التاويل، وبقي الجميع عالق داخل ماساه الاسئله، التي لا يجدر به طرحها، فان كانت الحروب، التي تسلط فيها اشد القساوه، ما هي الا اختبار لشرور الانسان لا لشرورها، فما يعنيه امتحان موت الطفوله سوي تشتت مظاهر الطاعه واعلان الغضب، فالذات القلقه من الواقع المتوحش تعارض ذلك بالمساءله عن ضروره اصابه طفل رضيع بمرض خبيث كالسرطان؟ حيث لا توجد حروب، ولا توجد ايه ممارسه لهذا الرضيع للشر، حيث تعري الاجوبه من جهوزيتها، وتفيض الرغبه في شق طريق افقيه للجدل لانهاء معجزه الصمت.
اسماء جزائري حيلنا مازق «جزيره ابستين» الي مازق العقاب، الذي يتم الاطاحه به فور تجاوز مقدره الانسان مقدره القوانين، فنبدا في التساؤل عن ماهيه وجود «العداله» او اخترعها؟ في الوقت الذي يريد فيه الانسان اختراع جدله - بعد ان
الحدث: تُحرر فكرة الشر من الجدل عبر تجربة الصمت، وتُستبدل بقيم تُبرر التصرفات المُسيئة.