نعيش في مجموعة من الأزمات
نحن نمر اليوم في واحدة من أخطر المراحل التاريخية التي شهدتها المنطقة. المخاطر تحيط بنا من جميع الاتجاهات، والعالم أمام مشهد مضطرب تتداخل فيه الحروب مع الاقتصاد، والسياسة مع الطاقة، والتجارة مع الممرات المائية، وتتغير فيه موازين القوى والنفوذ بوتيرة متسارعة. من الشرق الأوسط إلى روسيا وأوكرانيا، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن أسواق النفط إلى التضخم، وصولا إلى التوترات المتصاعدة في منطقة القرن الأفريقي المطلة على البحر الأحمر بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، يبدو أن العالم يدخل مرحلة إعادة تشكيل حقيقية. والأخطر أن الأزمات لم تعد محصورة في موقع جغرافي واحد، بل أصبحت تنتقل بسرعة من ساحة صراع إلى أخرى، ومن السياسة والأمن إلى أسواق الطاقة والنقل والتأمين والغذاء والتضخم. والمنطقة الخليجية تحديدا تقع في قلب هذه التحولات. فهي محاطة بموقع جغرافي متعدد المخاطر، يهدد استقرارها الأمني والاقتصادي. ومع استمرار التوتر حول مضيق هرمز بالتزامن مع اضطرابات باب المندب، تزداد المخاوف من انعكاسات مباشرة على أمن واستقرار دول الخليج. فأي اضطراب في هذه الممرات الحيوية لا ينعكس على المنطقة وحدها، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، من خلال تهديد حركة التجارة والزراعة والصناعة وإمدادات الطاقة، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة الضغوط التضخمية، وبالتالي يعمق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. والمطلوب اليوم ليس فقط التعامل مع الأزمات، بل الاستعداد لها للمستقبل. وهذا يتطلب مضاعفة الجهود الدبلوماسية، وتوسيع قنوات الحوار، وبناء تفاهمات إقليمية ودولية تقلل من احتمالات التصعيد وتحمي مصالح دول المنطقة. ومن هنا على دول الخليج إعادة النظر في استراتيجياتها الاقتصادية والأمنية بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة. فالتحولات الجارية تفرض الإسراع في تعزيز التكامل الاقتصادي، ودعم الأمن الغذائي وأمن الطاقة واستمرارية إمداداتها، وتطوير القدرات اللوجستية، وتأمين سلاسل الإمداد، إلى جانب بناء شراكات دولية أكثر توازنا ومرونة. والقدرة المالية على امتصاص الصدمات. ولهذا فإن تنويع الاقتصاد لدول الخليج لم يعد خيارا تنمويا فقط، بل أصبح جزءا من منظومة الأمن الوطني وسيكون أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات المقبلة. لم يعد الأمن والاقتصاد ملفين منفصلين، بل أصبحا مترابطين، وبالتالي يجب أن تكون الاستراتيجية مترابطة أيضا. الخليج أمام اختبار استراتيجي حقيقي، والمرحلة المقبلة لن تكون امتداداً لما سبق بل مرحلة إدارة عالم جديد. العالم الجديد يتشكل الآن، ومن لا يستعد له اليوم، قد يدفع ثمن تأخره غدا.