«الفيدرالي» لرفع الفائدة.. والنفط يعاند التضخم

تدخل الأسواق العالمية اختباراً مزدوجاً، بين تشدد نقدي أميركي لمواجهة التضخم، وصدمات متلاحقة في سوق الطاقة تهدد بإبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، في مشهد يضع المستثمرين أمام معادلة أكثر تعقيداً: فالفيدرالي يسعى لكبح التضخم عبر الفائدة، فيما تدفع اضطرابات الإمدادات أسعار الطاقة في الاتجاه المعاكس. وسيرفع الفيدرالي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4%، في أول زيادة منذ عام 2023، وسط مخاوف من أن تؤدي قفزة أسعار الطاقة إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية. وكانت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات قد تجاوزت 5%، في انعكاس لتشدد الأوضاع المالية وارتفاع علاوة المخاطر. لكن معركة الفيدرالي لا تجري في فراغ؛ فالنفط نفسه أصبح أحد أهم مصادر الضغط على التضخم. ورغم تراجع خام برنت إلى نحو 107.82 دولارات للبرميل بفعل الزيادة المفاجئة في المخزونات الأميركية، فإن الأسعار لا تزال فوق حاجز 100 دولار، فيما بقيت المخاوف الجيوسياسية حاضرة بقوة. هرمز.. عقدة الإمدادات وتزداد حساسية المشهد مع استمرار تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات محدودة للغاية، إذ أظهرت بيانات أولية وصول عدد العبور إلى خانة الآحاد في بعض الأيام، مقارنة بمتوسط أعلى بكثير قبل التصعيد. وبالتوازي، تعرض خط الأنابيب السعودي شرق–غرب لهجمات أدت إلى تعطله، وهو المسار الذي يوفر للمملكة قدرة على تصدير الخام بعيداً عن مضيق هرمز. وأثارت التطورات مخاوف بشأن قدرة الإمدادات على الوصول إلى الأسواق، قبل أن تبدأ السعودية في توفير شحنات إضافية عبر سلطنة عُمان لتخفيف آثار الاضطراب. ولم تتوقف اضطرابات الإمدادات عند الخليج، إذ أدت احتجاجات في ليبيا إلى إغلاق صمامات وخفض عمليات عدد من الحقول، مع تحذير المؤسسة الوطنية للنفط من إمكانية إعلان القوة القاهرة إذا استمرت عمليات الإغلاق. وهكذا باتت سوق النفط تتحرك على محورين متعاكسين؛ زيادة المخزونات الأميركية تضغط على الأسعار، بينما اضطرابات هرمز والخط السعودي والإنتاج الليبي تمنحها دعماً صاعداً. بورصات الخليج.. النفط المرتفع لا يكفي انعكست حالة عدم اليقين على أسواق الأسهم الخليجية، إذ أغلقت معظم البورصات في المنطقة على تراجعات خلال تعاملات الثلاثاء، تحت ضغط التوترات الجيوسياسية وتراجع حركة الملاحة عبر هرمز. وانخفض المؤشر السعودي 0.9%، ودبي 0.8%، وقطر 0.5%، بينما تحركت أبوظبي في الاتجاه المقابل. وفي الكويت، أغلقت البورصة على انخفاض محدود، إذ تراجع مؤشر السوق العام 3.95 نقاط بما يعادل 0.04% إلى 8942.04 نقطة، رغم ارتفاع مؤشر السوق الرئيسي 33.63 نقطة بنسبة 0.35%، مع تداولات بلغت نحو 144.2 مليون دينار. ويكشف أداء الأسواق الخليجية مفارقة مهمة: فارتفاع النفط عادة ما يمثل دعماً مالياً واقتصادياً للدول المصدرة، إلا أن ارتفاعه الناتج عن اضطراب الإمدادات والحرب يرفع في المقابل علاوة المخاطر ويضغط على شهية المستثمرين. الذهب يتحرك عكس الأسهم وفي سوق المعادن، ارتفع الذهب بنحو 1% إلى 4334 دولاراً للأونصة، في انعكاس لحالة التحوط التي تسود الأسواق قبل قرار الفيدرالي، بينما ارتفعت العقود الآجلة الأميركية إلى نحو 4373 دولاراً. ويتحرك الذهب في بيئة شديدة التعقيد؛ فارتفاع الفائدة يزيد كلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائداً، لكن تصاعد التوترات الجيوسياسية ومخاطر التضخم يدعمان الطلب عليه كأداة للتحوط. المشهد الحالي يضع الاقتصاد العالمي أمام معادلة صعبة: نفط مرتفع يرفع كلفة الطاقة، وفائدة أعلى لمواجهة التضخم، وعوائد سندات مرتفعة تضغط على تقييمات الأسهم، وتوترات جيوسياسية تزيد علاوة المخاطر. ولهذا لا تنظر الأسواق إلى قرار الفيدرالي باعتباره مجرد زيادة ربع نقطة مئوية، بل تترقب بالدرجة الأولى إشاراته بشأن الخطوات التالية، خصوصاً إذا ظلت أسعار النفط فوق 100 دولار واستمرت اضطرابات الإمدادات. وبينما يراهن المستثمرون على قدرة السياسة النقدية على احتواء التضخم، يبقى السؤال الأصعب: إلى أي مدى يستطيع الفيدرالي كبح تضخم تغذيه صدمات الطاقة وممرات الشحن والحروب؟ وفي هذه المعادلة، لا تتحرك البورصات والذهب والنفط كل في اتجاه مستقل؛ بل أصبحت جميعها أجزاء من قصة واحدة عنوانها: الفائدة تحاول كبح التضخم.. والنفط يعيد إشعاله. ووصل سعر الديزل في أميركا إلى مستوى قياسي عند 6.27 دولارات للغالون ، بينما ارتفع سعر البنزين 18 سنتاً للغالون خلال الأسبوع الماضي، ليصل إلى 4.33 دولارات. الفائدة للمقترضين من المرجح أن ترفع البنوك أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان وغيرها من منتجات الإقراض، رغم أن زيادة واحدة بمقدار 0.25 نقطة مئوية قد لا تؤدي إلى ارتفاع كبير في كلفة الاقتراض. في المقابل، قد يؤدي رفع الفائدة إلى الحد من ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل التي يدفعها المستهلكون على منتجات مثل الرهون العقارية. ويرجع ذلك إلى أن معدلات الرهن العقاري تميل إلى تتبع عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، التي ارتفعت عوائدها بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة، مع تشكيك المستثمرين في التزام الفيدرالي بخفض التضخم. وعندما يكون التضخم مرتفعاً، يطالب المستثمرون عادة بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل. الفائدة للمدخرين رغم أن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد كلفة الاقتراض، فإنه يعني أيضاً عوائد أكبر للمدخرين. الفائدة للمستثمرين يمكن لتحركات الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة أن تتسبب في تقلبات في الأسواق المالية. فعلى سبيل المثال، عندما بدأ الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة بوتيرة متسارعة عام 2022، مع تعافي الاقتصاد من تداعيات الجائحة، تراجع مؤشر S&P 500 بنحو 18%. بيتكوين دون 76 ألف تراجعت بيتكوين ، مواصلة خسائرها المسجلة خلال تعاملات الليلة الماضية، بعد رفض مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون تنظيمي رئيسي للعملات المشفرة، فيما زادت حالة الحذر قبيل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي من الضغوط على السوق. ظلت أسعار العملات المشفرة تحت الضغط عقب قرار مجلس الشيوخ ، وسط مخاوف من تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إلى جانب ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية. وانخفضت بيتكوين بنسبة 1.8% إلى 75,893.10 دولار .