النفط يتضخم والسندات تنزف.. والبورصة تتجنب العاصفة

دخلت الأسواق العالمية سبتمبر على وقع موجة جديدة من القلق بشأن أمن الطاقة ومسارات التجارة، مع تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، بالتزامن مع تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ما أعاد مخاطر تعطل إمدادات النفط إلى صدارة حسابات المستثمرين. وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الخام، فيما تعرضت أسواق السندات العالمية لموجة بيع دفعت العوائد إلى مستويات هي الأعلى منذ سنوات، في انعكاس مباشر لإعادة تسعير توقعات التضخم والفائدة، بينما امتدت حالة العزوف عن المخاطرة إلى العملات المشفرة. وفي المقابل، حافظت بورصة الكويت على تماسكها، مسجلة ارتفاعاً طفيفاً لمؤشرها العام وسط سيولة جيدة، في إشارة إلى قدرة السوق المحلية على استيعاب التقلبات الخارجية، رغم استمرار حساسية الأسواق الخليجية لتطورات النفط والممرات البحرية. برنت فوق 91 دولاراً ارتفعت أسعار النفط مع تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف متزايدة من تعرض إمدادات الطاقة والبنية التحتية النفطية لمزيد من الاضطرابات. وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 65 سنتاً، أو 0.72%، إلى 91.14 دولاراً للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 89 سنتاً، أو 1.04%، إلى 86.65 دولاراً. وجاءت هذه المكاسب بعد ارتفاع برنت في الجلسة السابقة 2.7% عند التسوية، بعدما لامس أعلى مستوياته منذ 25 أغسطس، بينما صعد الخام الأميركي 2.8% ليسجل أعلى مستوى له منذ 21 أغسطس. وتعكس حركة الأسعار عودة ما يمكن وصفه بـعلاوة هرمز إلى السوق، إذ لم يعد المستثمرون ينظرون إلى الصراع من زاوية عسكرية فقط، وإنما باعتباره خطراً مباشراً على تدفقات الطاقة والتجارة العالمية 5 سفن يومياً.. أزمة الشحن تتفاقم وأظهرت بيانات تتبع السفن من كبلر أن عدد سفن السلع التجارية التي عبرت مضيق هرمز خلال مطلع الأسبوع تراجع إلى نحو خمس سفن يومياً. ووفق بيانات رويترز المنشورة أمس، بقيت حركة السفن عند خمسة عبور فقط، في مستوى يقل كثيراً عن متوسط الأيام العشرة السابقة البالغ نحو 14 سفينة، فيما لم تكن أي من السفن العابرة ناقلة سوائل. ويضيف ذلك بعداً جديداً إلى أزمة الطاقة، إذ إن استمرار انخفاض حركة السفن لا يعني فقط احتمال تراجع الإمدادات، وإنما يرفع أيضاً تكاليف الشحن والتأمين ويزيد مخاطر وصول الطاقة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. وفي مؤشر على استمرار المخاطر، تعرضت ناقلتان تحملان النفط السعودي لهجوم أثناء خروجهما من المضيق، وفق تقارير شحن ومصادر استخبارات بحرية، ما عزز المخاوف بشأن أمن حركة ناقلات النفط. واشنطن تبحث عن بدائل وفي محاولة لتقليص الضغوط على سوق الطاقة الأميركية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقاً مع فنزويلا يتعلق باحتياطيات النفط، مشيراً إلى أن ذلك يمكن أن يسهم في إعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، الذي اقترب من أدنى مستوياته في عقود. السندات في مرمى النفط والفائدة لم تتوقف تداعيات صدمة الطاقة عند سوق النفط، بل انتقلت سريعاً إلى أسواق الدين العالمية، حيث سجلت عائدات السندات مستويات مرتفعة هي الأعلى منذ سنوات، مع تصاعد مخاوف التضخم وارتفاع رهانات المستثمرين على استمرار تشدد البنوك المركزية. وتراجعت أسعار السندات في اليابان وأستراليا، بينما لامس العائد على السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات مستوى 3% للمرة الأولى منذ 1996. وفي الولايات المتحدة، دفعت موجة البيع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى مستويات هي الأعلى منذ يناير 2025، بينما تجاوز العائد مستوى 4.75%، في حين بقي عائد السندات لأجل 30 عاماً فوق 5%. وعلى المستوى العالمي، ارتفع مؤشر بلومبرغ للسندات السيادية إلى 3.72%، وهو أعلى مستوى منذ منتصف 2008. لماذا ترتفع العوائد؟ تكمن الحلقة الرئيسية في ارتفاع النفط؛ فكلما ارتفعت أسعار الطاقة، زادت مخاطر التضخم، الأمر الذي يقلص قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة أو يدفعها إلى التفكير في التشديد. وتتزامن هذه المخاوف مع اتساع العجز المالي في الاقتصادات الكبرى، وزيادة إصدارات الدين، وهو ما يفرض على الحكومات تقديم عوائد أعلى لجذب المستثمرين. وتشير هذه التطورات إلى أن الأسواق لا تعيد تسعير النفط فقط، بل تعيد تسعير تكلفة المال عالمياً. الكريبتو.. شهية المخاطرة تتراجع امتدت موجة العزوف عن المخاطرة إلى سوق العملات المشفرة، التي تعرضت لهبوط جماعي خلال تعاملات الاثنين. وتراجعت بيتكوين بأكثر من 1% خلال 24 ساعة إلى 77,993.7 دولاراً، بينما انخفضت إيثريوم 1.24% إلى 2445.89 دولاراً. كما تراجعت بينانس كوين 1.70% إلى 686.60 دولاراً، وسولانا 3.85% إلى 102.608 دولار، فيما انخفضت ريبل 2.61% إلى 1.3669 دولار، وترون 2.37%. الذهب يتراجع.. والفائدة تنافس الملاذ الآمن في مفارقة لافتة، تراجع الذهب رغم استمرار التوترات الجيوسياسية، مع تركيز المستثمرين على بيانات سوق العمل الأميركية التي قد تحدد مسار الفائدة خلال الفترة المقبلة. وانخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.4% إلى 4428.54 دولاراً للأونصة، فيما تراجعت العقود الأميركية الآجلة 0.1% إلى 4477.20 دولاراً. وتترقب الأسواق بيانات الوظائف الشاغرة وتقرير التوظيف الصادر عن إيه.دي.بي وبيانات الوظائف غير الزراعية، بحثاً عن إشارات بشأن قوة سوق العمل ومسار السياسة النقدية الأميركية. بورصة الكويت.. صمود أغلقت بورصة الكويت تعاملاتها على ارتفاع، في جلسة اتسمت بالتباين بين المؤشرات الرئيسية، مع بقاء السيولة عند مستوى جيد بلغ 81.8 مليون دينار. وارتفع مؤشر السوق العام 6.32 نقاط، أو 0.07 %، ليبلغ 8903.72 نقاط، وسط تداول 337.3 مليون سهم عبر 24,963 صفقة نقدية. وارتفع مؤشر السوق الأول 8.70 نقاط، أو 0.09 %، ليبلغ 9297 نقطة، من خلال تداول 127.3 مليون سهم عبر 9661 صفقة بقيمة 42.5 مليون دينار. في المقابل، تراجع مؤشر السوق الرئيسي 3.33 نقاط، أو 0.04 %، إلى 9227.14 نقطة، بتداول 209.9 ملايين سهم بقيمة 39.3 مليون دينار. ويكتسب الأداء المتماسك لبورصة الكويت أهمية خاصة في ظل موجة التقلبات التي تضرب الأسواق العالمية، إذ تتحرك الأسهم المحلية بين عاملين متناقضين: استفادة الاقتصاد الخليجي من ارتفاع أسعار النفط من جهة، وتأثر شهية المستثمرين عالمياً بارتفاع عوائد السندات وتكلفة الأموال من جهة أخرى. وبذلك تبدو البورصة أمام معادلة جديدة في سبتمبر: نفط مرتفع يدعم الإيرادات والنتائج، مقابل فائدة عالمية مرتفعة تضغط على التقييمات والسيولة. وارش يشعل رهانات التشديد جاءت تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش في جاكسون هول لتضيف محفزاً جديداً إلى موجة بيع السندات، بعدما شدد على أهمية احتواء التضخم وأكد أن تحقيق استقرار الأسعار يمثل جوهر مهمة البنك المركزي. ورفعت تصريحاته رهانات الأسواق على إمكانية تشديد السياسة النقدية في اجتماع سبتمبر، خصوصاً إذا أظهرت البيانات المقبلة استمرار الضغوط التضخمية. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه وزارة الخزانة الأميركية تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض واتساع احتياجات التمويل. إعادة تسعير الفائدة عالمياً لا تقتصر إعادة تسعير الفائدة على الولايات المتحدة، إذ بات المستثمرون يتعاملون مع احتمال بقاء أسعار الفائدة العالمية عند مستويات أعلى لفترة أطول. وتعني هذه المعادلة ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأفراد، إلى جانب زيادة الضغط على تقييمات الأسهم والأصول التي استفادت خلال السنوات الماضية من انخفاض تكلفة الأموال. الإنفاق الحكومي يضاعف الضغوط تتعرض أسواق السندات العالمية لضغوط متواصلة نتيجة المخاوف من مستويات الإنفاق الحكومي المرتفعة في عدد من الاقتصادات الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا. ومع ارتفاع احتياجات التمويل، يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، بينما يؤدي ارتفاع النفط إلى إضافة طبقة جديدة من المخاوف التضخمية.