نتانياهو و«مثيرو الشغب» في الضفة الغربية!
في الوقت الذي تعالت الأصوات الدولية مطالبة إسرائيل بوضع حد للاستيطان وكبح جماح عنف المستوطنين في الضفة الغربية خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، مساء التاسع والعشرين من أغسطس الماضي، ببيان استرعى الانتباه سواء من حيث مضمونه وتوقيته، الأمر الذي نوضحه فيما يلي: أولاً من حيث المضمون: 1- انتهز البيان الفرصة لإعادة التأكيد على شرعية الاستيطان في الضفة الغربية، حيث أشار إلى أن أعمال «مثيري شغب» تلحق ضرراً فادحاً بالمجتمع اليهودي الملتزم بالقانون»، وقد ذهب السفير الأميركي في إسرائيل في الاتجاه نفسه حيث علق على البيان بقوله إن «نصف مليون إسرائيلي في الضفة الغربية مشمئزون من مجموعة مشاغبين يوصفون خطأً بالمستوطنين»، مضيفاً أن هناك «إجماعاً في إسرائيل على إدانة العنف في الضفة الغربية». وبهذا يكون زعيم الليكود قد تعامل مع الموقف نظرياً وإن كان قد تجاهل جوهر المشكلة المتمثل في عدم شرعية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة وهو الأمر الذي كرسته قرارات الأمم المتحدة باعتباره يتعارض مع التزامات قوة الاحتلال المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949. 2- قصر البيان الإضرار بمكانة إسرائيل على الساحة الدولية على الأعمال التي قام بها «عدد قليل من مثيري الشغب الخارجين عن القانون» في ذلك اليوم في «قصرة» و«جالود»، متجاهلاً حقيقة أن اعتداءات المستوطنين والإجراءات الإسرائيلية طالت بالإضافة إلى تلك القريتين كل من: «عرابة و«رابا» و«المغير» و«برقا» بالإضافة إلى البلدة القديمة في مدينة الخليل. كما تجاهل نتانياهو واقعة قيام عضو الكنيست الإسرائيلي تسفي سوكوت، من حزب الصهيونية الدينية، اليميني المتطرف والذي يتزعمه بتسلئيل سموتريش، بتحطيم نصب تذكاري فلسطيني للشهداء في قرية مادما جنوب مدينة نابلس وقيام قوات الجيش بتأمين ذلك. 3- اقتصرت إدانة نتانياهو على واقعة محددة، في حين أن تقارير المنظمات الدولية، الحكومية وغير الحكومية، والتصريحات الصادرة عن العواصم العالمية وضعت هذا العنف في إطار عملية ممنهجة ومنظمة تُشارك فيها السلطات كافة بهدف تهويد الأراضي الفلسطينية، سواء عن طريق إنشاء المستوطنات أو تقنين البؤر الاستيطانية التي يتم خلقها- بالتنسيق مع السلطات المعنية- من خلال طرد السكان من أراضيهم ومنازلهم. ثانياً- من حيث التوقيت: تضافرت مجموعة من الوقائع في التقليل من تأثير وقيمة هذا البيان أبرزها ما يلي: 1- جاء البيان بعد مرور ما يزيد على ثلاثة أسابيع على ما شهدته قرية «قصرة» من عنف المستوطنين دون تدخل حاسم من الجيش أو الشرطة. 2- سعى زعيم الليكود، من خلال بيانه، إلى إدارة البعد الدولي للحدث وما أثاره من انتقادات من كبرى عواصم العالم بما في ذلك داخل واشنطن، حيث طالبته الإدارة الأميركية منذ أسبوعين بإدانة علنية لعنف المستوطنين في قرية «قصرة» على وجه التحديد، كما وجه 45 من أصل 47 عضوا ديموقراطيا بمجلس الشيوخ الأميركي رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، في السادس والعشرين من أغسطس الماضي أشارت إلى «تزايد مستويات العنف الذى يسفر عن سقوط قتلى ويمارسه المستوطنون» وأوضحت أن «الفورة الكبيرة للعنف في الأسابيع القليلة الماضية استتبعتها استجابة واسعة النطاق من قبل قوات الأمن الإسرائيلية واعتقالات جماعية للفلسطينيين وأنباء عن هجمات نفذها مستوطنون على مساجد». 3- على المستوى الداخلي، حرص نتانياهو على أن يرسل رسالة إلى المستوطنين بأنه الشخص القادر على حماية حركة الاستيطان والدفاع عن المستوطنين على الساحة الدولية، كما سعى إلى تجنب ترك المجال للأحزاب المنافسة في الانتخابات التشريعية المقرر عقدها في السابع والعشرين من أكتوبر المقبل، للمزايدة على حزب الليكود واتهامه بأنه لم يحرك ساكناً أمام حدث من شأنه التأثير في سمعة البلاد في الخارج، وأن يجلب المزيد من الضغوط عليها. 4- صدر بيان نتانياهو بعد أسبوع من إعلان وزارة الإسكان الإسرائيلية عن فتح باب العطاءات لمشروع «شرق 1» الذي من شأنه أن يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وبعد مرور ثلاثة أيام فقط من تصريحاته خلال فعالية للمستوطنين خاطب فيها الحضور بقوله: «أنتم تحققون رؤية أرض إسرائيل وهذه أرضنا»، بما يعنيه ذلك من حرص زعيم الليكود على إظهار نفسه على أنه الأب الروحي للاستيطان بعد أرئيل شارون. يتضح مما سبق أننا لسنا أمام بيان إدانة لعنف المستوطنين، بل محاولة واضحة من زعيم الليكود لإدارة البعد الدولي لحدث بعينه مع تجاهل سياقه العام، ومسعى منه لتوظيف هذا الحدث في سياق الاستعداد لخوض انتخابات تشريعية تمثل محطة مصيرية وحاسمة في مستقبله السياسي وسط منافسة محتدمة وانقسامات واسعة في صفوف اليمين واليمين المتطرف.