ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharمال وأعمال

حروب الممرات البحرية تُشعل «رغيف العالم»

حروب الممرات البحرية تُشعل «رغيف العالم»

لم تعد تداعيات الحروب مقتصرة على أسواق النفط والطاقة، إذ بدأت نيران الصراعات تمتد بصورة مباشرة إلى أسواق الغذاء العالمية، مع تصاعد المخاطر التي تضرب اثنين من أهم شرايين التجارة البحرية، هما مضيق هرمز والبحر الأسود، بما يهدد تدفقات الطاقة والحبوب ويرفع كلفة النقل والتأمين والشحن. وفي وقت تحولت فيه أسعار القمح إلى مؤشر جديد على اتساع فاتورة الصراعات، سجلت العقود الآجلة في بورصة شيكاغو أعلى مستوياتها في نحو ثلاث سنوات، بعدما أغلقت تعاملات الجمعة عند 7.84 دولارات للبوشل، بزيادة 12.1% خلال أسبوع، فيما تجاوزت مكاسبها منذ بداية العام 54%. وتأتي القفزة في أسعار القمح وسط تصاعد الهجمات الروسية والأوكرانية على الموانئ والسفن والبنية التحتية للحبوب في البحر الأسود، المنطقة التي تمثل روسيا وأوكرانيا فيها معًا نحو ربع إلى ثلث صادرات القمح العالمية، بحسب اختلاف منهجيات القياس والفترات الزمنية. هرمز.. من أكثر من 100 سفينة إلى 5 يومياً وفي الخليج، تبدو الصورة أكثر حدة، بعدما تراجعت حركة سفن السلع الأولية عبر مضيق هرمز إلى نحو 5 سفن يوميًا في نهاية الأسبوع، مقارنة بأكثر من 100 سفينة يوميًا قبل الحرب. وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن حركة الملاحة المرصودة خلال عطلة نهاية الأسبوع اقتصرت على عدد محدود من السفن، بينها ناقلات غاز البترول المسال، في وقت تتعامل فيه شركات الشحن بحذر بالغ مع المخاطر الأمنية في المنطقة. غير أن بيانات التتبع لا تعكس بالضرورة العدد الكامل للسفن التي تعبر المضيق، إذ لجأت بعض السفن إلى إيقاف أجهزة التعرف الآلي الخاصة بها، في محاولة لتقليل مخاطر استهدافها. ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز والمنتجات البترولية. ووفق بيانات «أونكتاد»، كانت تدفقات النفط الخام عبر المضيق تمثل نحو 38% من إجمالي التدفقات العالمية المنقولة بحرًا في الأسبوع السابق لاندلاع الحرب، مقابل 29% من غاز البترول المسال و19% من الغاز الطبيعي المسال. كما تراجعت صادرات الخام من منطقة الخليج بصورة كبيرة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، فيما تشير تقديرات محللين نقلتها رويترز إلى تعرض ما بين 5 و7 ملايين برميل يوميًا من نفط الخليج للتعطل أو الاضطراب. شريان الطاقة يتحول إلى أزمة تجارة ولا تقتصر أهمية هرمز على النفط، فاضطراب الملاحة في المضيق يرفع كلفة النقل والتأمين والوقود البحري، ويؤثر بصورة غير مباشرة في أسعار السلع التي تعتمد على النقل البحري. وتشير «أونكتاد» إلى أن اضطرابات هرمز لا تضرب الطاقة وحدها، بل تمتد إلى الأسمدة والنقل وسلاسل الإمداد والغذاء، بما يجعل تداعيات الأزمة أوسع من مجرد نقص في إمدادات النفط والغاز. ومع استمرار المخاطر، بدأت الشركات في إعادة ترتيب طرق الشحن والبحث عن مسارات بديلة، الأمر الذي يضيف مسافات وتكاليف جديدة إلى رحلة السلع من المنتج إلى المستهلك. البحر الأسود.. «سلة الخبز» تحت النار وفي الجانب الآخر من الخريطة، يواجه البحر الأسود أزمة موازية، بعدما تصاعدت الهجمات الروسية والأوكرانية على الموانئ ومحطات الحبوب والسفن التجارية. وتسببت الهجمات المتبادلة في إغلاق أو تعطيل عدد من منشآت التصدير وتأخير تحميل شحنات الحبوب، في وقت تشهد فيه المنطقة ذروة موسم التصدير. وقالت تقارير قطاعية إن الهجمات أخرجت جزءًا كبيرًا من طاقة تصدير الحبوب الأوكرانية من الخدمة، بينما تعرضت حركة الصادرات الروسية أيضًا لضغوط متزايدة. وتأتي هذه التطورات في وقت لا تملك فيه الأسواق العالمية هامشًا كبيرًا لاستيعاب صدمة جديدة، خصوصًا أن روسيا وأوكرانيا تعدان من أكبر موردي القمح عالميًا. وتظهر حساسية الأزمة بوضوح في مصر، أحد أكبر مستوردي القمح عالميًا، حيث تواجه الأسواق ضغوطًا متزايدة مع تراجع الإمدادات القادمة من منطقة البحر الأسود وارتفاع كلفة البدائل. وأفادت «إس آند بي غلوبال» بأن أسعار القمح في شرق المتوسط وصلت إلى مستويات قياسية قرب 301 دولار للطن مع تقلص المخزونات لدى بعض المستوردين والقطاع الخاص. فاتورة البدائل ترتفع المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع سعر القمح نفسه، وإنما في ارتفاع كلفة الوصول إليه. فكلما ابتعدت السفن عن مناطق الإنتاج التقليدية، ارتفعت مسافات النقل وتكاليف الوقود والتأمين والشحن، ما يدفع المستوردين إلى البحث عن مصادر بديلة مثل الولايات المتحدة وأستراليا والأرجنتين، وهي بدائل قد تكون أعلى كلفة في بعض الأسواق. وبحسب رويترز، ارتفعت أسعار القمح في الأسواق المنافسة مع سعي المشترين إلى تأمين شحنات بديلة عن منطقة البحر الأسود، فيما أصبحت مصر وإندونيسيا وعدد من كبار المستوردين أكثر تعرضًا لمخاطر اضطراب الإمدادات. العرب في قلب العاصفة وتكتسب الأزمة أهمية خاصة للدول العربية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد الحبوب لتلبية احتياجاتها الغذائية. ومع تزامن اضطراب البحر الأسود مع أزمة الملاحة في الخليج، تتعرض سلاسل الإمداد لضغط مزدوج: مصادر الحبوب مهددة من جهة، ومسارات الطاقة والنقل البحري مضطربة من جهة أخرى. وهنا تتحول أزمة القمح من مشكلة في أسواق السلع إلى تحدٍ أوسع للأمن الغذائي، خصوصًا للدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات ولا تمتلك إنتاجًا محليًا كافيًا لتغطية احتياجاتها. 3 شرايين تحت الضغط ولا تتوقف الصورة عند هرمز والبحر الأسود، إذ إن اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب تضيف طبقة أخرى من المخاطر إلى حركة التجارة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. وبذلك يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام شبكة من الممرات البحرية الواقعة تحت الضغط، في وقت يعتمد فيه نحو 80% من حجم التجارة العالمية على النقل البحري. والنتيجة هي معادلة شديدة الحساسية: حرب تعطل الموانئ، وممر بحري يتراجع عبوره، وسفن تبحث عن طرق أطول، وتأمين أكثر كلفة، وأسعار حبوب تقفز إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. الرغيف يدفع فاتورة الجغرافيا السياسية ومع استمرار الحربين وتزايد المخاطر على الموانئ والسفن، لم يعد السؤال بالنسبة للأسواق العالمية هو فقط: كم يبلغ سعر القمح؟ بل أصبح: كيف يصل القمح إلى المستورد، وكم ستكلف رحلة وصوله؟ وفي حال استمرار اضطرابات البحر الأسود وهرمز وباب المندب، فإن ارتفاع أسعار الحبوب قد يتحول من موجة مؤقتة في أسواق السلع إلى ضغط ممتد على أسعار الغذاء والنقل والتضخم، خصوصًا في الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على الاستيراد. وهكذا، لم تعد الحرب ترفع سعر الطاقة وحدها؛ بل بدأت تضيف كلفة جديدة إلى الرغيف وسلة الغذاء وسلاسل الإمداد، لتصبح الممرات البحرية جزءاً أساسيًا من معادلة الأمن الغذائي العالمي. مؤشرات أزمة - 54% ارتفاع العقود الآجلة للقمح منذ بداية 2026. - 7.84 دولارات سعر بوشل القمح في شيكاغو بنهاية الأسبوع. - 12.1% مكاسب القمح خلال أسبوع واحد. - 5 سفن يوميًا حركة سفن السلع الأولية المرصودة عبر هرمز. - أكثر من 100 سفينة كانت تعبر المضيق يوميًا قبل الحرب. - 38% من تدفقات النفط المنقولة بحرًا كانت تمر عبر هرمز قبل الحرب. - 29% من تدفقات غاز البترول المسال. - 19% من تدفقات الغاز الطبيعي المسال. - 5–7 ملايين برميل يوميًا تقديرات لتعطل إمدادات نفط الخليج. - 301 دولار للطن مستوى قياسي تقريبًا للقمح في شرق المتوسط . - روسيا وأوكرانيا معًا من أكبر مصادر القمح في التجارة العالمية

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓