ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharمحلية بقلم راشد خلف

انسوا «الجيل الذهبي».. ماذا قدمتم بعده؟

انسوا «الجيل الذهبي».. ماذا قدمتم بعده؟

تضيق بعض الجماهير الرياضية الشابة ذرعاً كلما جاء ذكر «الجيل الذهبي»، ويتحول الحديث إلى نظرية «تقديس الماضي» ما إن يتحدث إعلامي، أو يشير كاتب، أو يستحضر مؤرخ شيئاً من ذلك الزمن الذي تسيَّد فيه الأزرق القارة، وكتب تاريخاً لم تبلغ الأجيال التي تلته شيئاً منه بعد. فأي تعثر للمنتخب يستدعي ظهور جاسم يعقوب في الحديث، وإطلالة فيصل الدخيل من الذاكرة، وقفزة أحمد الطرابلسي أمام المرمى، ثم تبدأ الحكاية المعتادة عن كأس آسيا وكأس العالم وكأس الخليج، وكأن الكرة الكويتية قررت منذ أربعة عقود أن تعيش على الذكريات، وأن تضع الماضي في المدرجات إلى جوارها كلما دخلت الملعب. ومن حق الجيل الجديد أن يملّ من الحكاية إذا تحولت إلى مجرد حنين، وله أن يسأل عن استمرار المقارنة بجيل مضت عليه عقود، ولا بأس أن يستغرب من إطالة الوقوف عند الأمجاد بدلاً من النظر إلى المستقبل. لكن المشكلة أن وصف كل حديث عن ذلك المنتخب المرعب بأنه «تقديس للماضي» يشبه، إلى حد بعيد، محاولة التخلص من التاريخ لمجرد أنه يزعجنا. ربما يحن معظم من يتحدث عن الجيل الذهبي إلى زمنه، لكن بالتأكيد ليس كل من يرى ذلك المنتخب أفضل من الأجيال التي تلته يعتقد أن كرة القدم توقفت عند عام 1982. أحياناً تكون المسألة أبسط من كل ذلك بكثير، جيل استثنائي فعل أشياء يصعب تكرارها، ولا يمكننا أن نتجاهل ذلك، فقط لأن المقارنة تزعج البعض. والحقيقة الواضحة أن الجيل الذهبي لم يبدأ في إسبانيا عام 1982، كما قد توحي الصورة المختصرة التي التصقت به في الذاكرة. الحكاية بدأت قبل ذلك بسنوات، ويمكن اعتبار عام 1976 نقطة الانطلاق الحقيقية لجيل أخذ يكبر بطولة بعد أخرى، حتى صار المنتخب الكويتي في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات أحد أبرز منتخبات القارة. وصل إلى نهائي كأس آسيا 1976 وخسر أمام إيران، وكانت الخسارة يومها أقرب إلى الفشل منها إلى الإنجاز في نظر جماهير اعتادت أن ترى منتخبها ينافس على اللقب، ثم نافس في الدور الفاصل المؤهل إلى كأس العالم 1978 قبل أن تخطف إيران البطاقة. وبعدها بأربع سنوات فقط، تغير المشهد كله، الأزرق يتوج بطلاً لكأس آسيا عام 1980، ويصبح أول منتخب عربي يحقق اللقب، ثم يتاهل إلى أولمبياد موسكو في العام نفسه ويبلغ الدور الثاني، ثم إلى مونديال إسبانيا 1982، في أول ظهور لعرب آسيا في هذا المحفل العالمي الكبير. ولم تكن تلك نهاية الحكاية، بل ربما كانت أشهر صفحاتها فقط، ففي آسيا واصل الأزرق حضوره، فحل وصيفاً في دورة الألعاب الآسيوية عام 1982، ثم ثالثاً في كأس آسيا 1984، وفي الخليج كان المنتخب يعيش سنوات من الهيمنة جعلت كأس الخليج تبدو أحياناً وكأنها تعرف طريقها إلى الكويت أكثر مما تعرف طريقها إلى غيرها، حتى إن الأزرق كان قادراً على الفوز بالبطولة بصف ثانٍ يقودهم عبدالعزيز العنبري في «خليجي 6» بأبوظبي. الأزرق وقتها كان منتخباً يملك من القوة ما يجعله يخوض بطولة إقليمية من دون كامل نجومه، ثم يعود بالكأس، هذا بالإضافة إلى التتويج بكأس العالم العسكرية عامي 1981 و1983. أي أننا لا نتحدث عن فريق فاز ببطولة واحدة ثم اختفى، وإنما عن منتخب كان حاضراً في كل مكان تقريباً، ويترك أثره أينما ذهب. لهذا تبدو المقارنة مع بعض الأجيال اللاحقة مضحكة قليلاً، لا لأن تلك الأجيال كانت سيئة، وإنما لأننا أحياناً نضع «منتخباً جيداً» في الميزان نفسه مع منتخب كان استثناءً تاريخياً، ثم نستغرب لماذا لا تستقيم الكفتان. خذ مثلاً منتخب منتصف التسعينيات وبداية الألفية تحت قيادة التشيكي ميلان ماتشالا الذي وضعه بعض اللاعبين السابقين على قدم المساواة مع الجيل الذهبي، بل إن بعضهم فضله عليه. ذلك الفريق كان منتخباً محترماً، بل ربما من أفضل المنتخبات بعد الجيل الذهبي، فاز بكأس الخليج مرتين متتاليتين، وبلغ المركز الرابع في كأس آسيا 1996، ووصل إلى المرحلة النهائية من تصفيات كأس العالم 1998. ولا أحد من نجوم «الجيل الذهبي» يشعر بالحساسية من تلك النتائج الجيدة، أو قل الجيدة جداً. المشكلة أن ذلك الجيل لم يصل حتى إلى ما كان يعد فشلاً على مستوى الجيل السابق. والمفارقة أن بعض ما نعده اليوم إنجازاً كبيراً كان يُنظر إليه في زمن الجيل الذهبي باعتباره أمراً أقل من الطموح. الوصول إلى نهائي كأس آسيا 1976 والخسارة أمام إيران لم يكن يومها مناسبة للاحتفال الطويل، بل للسؤال عن سبب عدم إحراز اللقب، والاقتراب من مونديال 1978 لم يتحول إلى ملحمة تاريخية لأن المنتخب لم يتأهل في النهاية. أما بعد ذلك بسنوات، فقد أصبح بلوغ كأس آسيا 1996 والمركز الرابع فيها إنجازاً كبيراً يُستعاد بفخر، رغم أن المنتخب خسر أمام الإمارات في نصف النهائي بعد أن خسر أمامها كذلك في دور المجموعات. وهنا لا نحتاج إلى كثير من الفلسفة، فما كان يُعد فشلاً مقبولاً في زمن، أصبح إنجازاً تاريخياً في زمن آخر. وهذه ليست إساءة إلى الجيل الآخر، وإنما شهادة إضافية على حجم الأول. والأمر نفسه ينطبق على تصفيات كأس العالم، يكفي أن نتذكر أن الأزرق في تصفيات مونديال 1978 احتل المركز الثالث خلف إيران المتأهلة وكوريا الجنوبية، بينما انتهت رحلة تصفيات 1998 في المرحلة النهائية بالمركز الخامس والأخير خلف السعودية وإيران والصين وقطر، برصيد ثماني نقاط فقط، من انتصارين وتعادلين وأربع هزائم. ومع ذلك ما زال مجرد بلوغ تلك المرحلة يُستعاد باعتباره واحدة من محطات المنتخب المهمة في التسعينيات. مرة أخرى، لا بأس بذلك، فالإنجاز يبقى إنجازاً، لكن المقارنة تحتاج إلى ذاكرة كاملة لا إلى ذاكرة انتقائية تختار من الماضي ما يناسبها وتترك الباقي في غرفة الملابس. ثم هناك ما لا تستطيع الأرقام وحدها أن تشرحه، ذلك الجيل لم يكن مجرد مجموعة من اللاعبين الجيدين اجتمعت بالصدفة في قائمة واحدة، بل كان مزدحماً بالأسماء إلى درجة أن الحديث عن الأساسيين وحدهم لا يكفي. جاسم يعقوب، فيصل الدخيل، عبدالعزيز العنبري، فتحي كميل، محبوب جمعة، سعد الحوطي، عبدالله بلوشي، ناصر الغانم، محمد كرم، أحمد الطرابلسي، عبدالله معيوف، نعيم سعد، والراحل وليد الجاسم، أسماء صارت جزءاً من ذاكرة الكرة الكويتية، ليس لأنها لعبت في منتخب تأهل إلى كأس العالم فقط، وإنما لأنها كانت في الأصل جيلاً من المواهب التي لم تتكرر. والأكثر مفارقة أن الحديث لا يتوقف عند من كانوا يدخلون الملعب منذ الدقيقة الأولى، حتى مقاعد البدلاء كانت تخفي أسماء مثل يوسف سويد وسامي الحشاش وحمود فليطح ومؤيد الحداد وعبدالعزيز حسن والراحل جمال يعقوب وغيرهم. أي أن المشكلة لم تكن في العثور على 11 لاعباً جيداً، بل ربما في أن المدرب كان يملك صداعاً حقيقياً في اختيار من يجلس ومن يلعب. تخيل أن يكون لديك منتخب بهذه الأسماء، ثم يأتي أحدهم بعد أربعين عاماً ليقول لك إننا نبالغ في الحديث عنه، ربما المبالغة الوحيدة أننا نسينا أسماء أخرى كثيرة كانت تستحق أن تُذكر. ولذلك فإن التغني بذلك الجيل لا يعني أن كل ما مضى كان أجمل، ولا أن كل لاعب فيه كان أفضل من كل لاعب جاء بعده، ولا أن الكرة الكويتية يجب أن تظل أسيرة حقبة معينة. فكرة القدم تغيرت، واللعبة تطورت، والظروف اختلفت، ومن الطبيعي أن يأتي جيل جديد يبحث عن مجده بطريقته الخاصة، لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول أن نثبت أن الماضي لم يكن عظيماً فقط لأن الحاضر لم يستطع اللحاق به. مضت أكثر من أربعة عقود، وجاءت أجيال كثيرة، وبرز لاعبون ومدربون، وفازت الكويت ببطولات وتأهلت إلى أخرى كبيرة، لكن أحداً لم يكرر تلك الخلطة كاملة. لم يفز جيل لاحق بكأس آسيا، ولم يبلغ كأس العالم، ولم يكرر ذلك الحضور الأولمبي، ولم يفرض الهيمنة الخليجية نفسها، ولم يجمع في سنوات قليلة كل تلك الإنجازات. وحتى حين اقتربت بعض الأجيال من شيء منها، بقيت المسافة واضحة. ولهذا، إذا كان «موال الجيل الذهبي» يزعج بعض الشباب، فربما عليهم ألا يغضبوا من الموال نفسه، بل من السبب الذي يجعلنا نعود إليه. فكلما حاولنا البحث عن جيل يشبهه، وجدنا أن المسألة ليست في العثور على جاسم جديد أو فيصل آخر، أو شبيه لفتحي، المشكلة أننا نبحث عن جيل كامل في لاعب أو اثنين، بينما الجيل الذهبي كان مجموعة نادرة اجتمعت فيها المواهب والطموح والثقة والنتائج في اللحظة نفسها. نجوم الجيل الذهبي أخذوا حقهم وأكثر من المديح والإشادات وليسوا في حاجة للمزيد هذه الأيام، بل إنهم يدركون أن زمانهم انتهى منذ فترة ليست قصيرة، رغم ذلك ما زالوا يعيشون في ذاكرة الجماهير، فماضيهم «عظيم» إلى درجة أن الحاضر ما زال يحاول الخروج من ظله.. ولا يقدر.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓