هل تعد العدة لرحيلك؟ لو لم يكن أمامك إلا يوم للحياة؟!
تنساب الأيام من بين أيدينا في هدوء، حتى نلتفت خلفنا فنكتشف أن أعمارًا كاملة عبرت كأنها ومضة. نعيش غالبًا كما لو أن الغد حق مكتسب، وأن في العمر متسعًا دائمًا لكل ما نؤجله اليوم: اعتذارًا لم نقله، وحقًا لم نرده، وصلةً قطعناها، وتوبةً نرجئها إلى وقت نظنه أنسب. لكن ماذا لو لم يكن هناك وقت أنسب؟ ماذا لو عرفت يقينًا أن هذه الليلة هي الأخيرة، وأن شمس الغد ستشرق بينما تكون أنت قد غادرت هذه الدنيا؟ ماذا ستفعل بالساعات الباقية؟ ومن ستبحث عنه؟ وما الأشياء التي ستكتشف فجأة أنها لم تكن تستحق كل ذلك القلق؟ ربما لا يغيّر الموت قيمة الأشياء بقدر ما يكشف لنا قيمتها الحقيقية. فلو عرف الإنسان أن أمامه يومًا واحدًا فقط، لسقطت كثير من الأوهام التي شغلته سنوات. لن يعود السؤال: كم أملك؟ ومن انتصر في الخلاف؟ وكيف يراني الآخرون؟ بل سيصبح السؤال أكثر صدقًا وأقسى مواجهة: ماذا سيبقى مني؟ هل ظلمت أحدًا؟ هل قصّرت في حق من أحبني؟ هل اعتذرت ممن أخطأت في حقه؟ وهل تركت خلفي أثرًا يستحق أن يبقى؟ عند اقتراب النهاية لا تتغير الدنيا؛ الذي يتغير هو نظرنا إليها. تتراجع الشهرة والخصومات والمنافسات، وتفقد أشياء كثيرة كانت تبدو عظيمة قدرتها على إثارة اهتمامنا. وفجأة ندرك أن ساعات الغضب لم تكن تستحق، وأن كبرياءً صغيرًا ربما حرمنا من مصالحة، وأن كلمة «غدًا» قد تكون أخطر كلمة في قاموس التأجيل. كم من «أحبك» بقيت في الصدر ولم تُقل؟ وكم من «سامحني» ماتت على أطراف اللسان؟ وكم من زيارة أُجلت حتى أصبح اللقاء مستحيلًا؟ وكم من حق عرفنا أنه لأصحابه، لكننا قلنا لأنفسنا إننا سنرده لاحقًا؟ عندها لن يكون السؤال: من انتصر في الخلاف؟ بل: لماذا تركت الخلاف يأكل من عمري أصلًا؟ إذا علم الإنسان أن رحيله قريب، فلن يحمل معه رغبة في الانتصار على أحد. سيحاول أن يردّ الحقوق، ويطلب الصفح، ويصل رحمه، ويغلق أبواب خصومة لم تعد تستحق أن تبقى مفتوحة. فبعض المعارك لا تستحق أن ندخل بها إلى قبورنا، وبعض الكلمات التي نظنها انتصارًا قد تصبح أثقل علينا من الخسارة نفسها. ولعل أعظم شجاعة في آخر الطريق أن يقول الإنسان ببساطة: أخطأت. فليس كل اعتذار انكسارًا، وليس كل تراجع هزيمة، وليس كل تسامح ضعفًا. أحيانًا يكون أعظم انتصار للإنسان أن ينتصر على كبريائه قبل أن يأتي يوم لا يستطيع فيه إصلاح شيء. ويذكّرنا القرآن الكريم بحقيقة الندم حين يقول: «حَتَّى? إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ». فالإنسان قد يعرف قيمة الفرصة، لكنه لا يدرك ثمنها كاملًا إلا حين تصبح خارج متناول يده. تخيل تاجرًا أُبلغ أن متجره سيُغلق عند منتصف الليل، وأن عليه قبل الإغلاق أن يسدد ديونه، ويردّ الأمانات، وينهي حساباته. هل سينشغل بتغيير ديكور الواجهة؟ أم سيجلس أمام دفاتره ليصفّي حسابه الأخير؟ تلك هي صورتنا في هذه الحياة. نعيش في متجر مؤقت، لكننا نتعامل معه أحيانًا كما لو أن مفاتيحه ستبقى في أيدينا إلى الأبد. نركض خلف الواجهة، ونجمع الأشياء، ونلاحق المظاهر، وننشغل بمن سبقنا ومن تفوق علينا، بينما ننسى أن الحساب الحقيقي في النهاية ليس: كم جمعنا؟ بل: ماذا فعلنا بما جمعناه؟ قد لا نعرف متى يكون يومنا الأخير، لكننا نعرف يقينًا أن له موعدًا. ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا سأفعل لو لم يتبقَّ من عمري غير يوم؟ بل السؤال الأصعب والأصدق: ماذا أفعل اليوم، لو كنت أعلم أنني لن أملك غدًا؟ فالحكمة ليست أن نعيش كل يوم وكأنه الأخير، بل أن نعيش كل يوم بطريقة تجعلنا لا نخجل من أن يكون هو الأخير.