الكويت لا تخون ولا ينجو من يخونها
الكويت ليست مجرد أرض وحدود وليست دولة عابرة في ذاكرة المنطقة بل هي وطن وشرف وكرامة وبيت أمن وأرض عطاء مدت يدها بالخير الى المحتاجين في مختلف أنحاء العالم وبنت علاقاتها على الحوار والوساطة والسلام والعمل الإنساني حتى أصبحت مكانتها أكبر من مساحتها الجغرافية. ولهذا فإن من يخون الكويت لا يرتكب خطأ عابرا تمحوه الأيام بل يضع نفسه في مواجهة التاريخ، فخيانة الوطن ليست موقفا سياسيا ولا اختلافا في الرأي وانما تجاوز لخط احمر اسمه أمن الوطن وسيادته واستقراره. ومن يريد أن يفهم لماذا لا يجوز الاستهانة بالكويت؟ فعليه أن يقرأ تاريخها منذ الاستقلال عام 1961، فبعد استقلال الكويت مباشرة خرج عبدالكريم قاسم بمطالبه تجاه الكويت وشكك في استقلالها لكن الكويت بقيت دولة مستقلة وحصلت على اعتراف المجتمع الدولي وانتهت تلك المحاولة وبقيت الكويت، ثم جاء عام 1990 عندما غزا نظام صدام حسين الكويت واحتل ارضها في واحدة من اخطر المحن التي مرت بها المنطقة لكن الاحتلال لم ينه الدولة ولم يسقط الوطن وبعد أشهر قليلة تحررت الكويت في فبراير 1991 وعاد علمها مرفوعا فوق أرضها بينما دخل نظام صدام بعد ذلك في سلسلة من الازمات انتهت بسقوطه، وهذه ليست دعوة الى الشماتة بأحد وإنما قراءة للتاريخ فالدول قد تمر بالمحن وقد تتعرض للغزو والضغط والتهديد لكن الدولة التي يتمسك شعبها بوطنه وتحمي مؤسساتها سيادتها تستطيع أن تعود من الأزمة أكثر قوة وصلابة ولم تكن الكويت يوما دولة تبحث عن عداوة أحد بل عرفت بالحوار والوساطة والمساعدة والعمل الإنساني، ولذلك اكتسبت احتراما واسعا تجاوز حدودها الجغرافية، لكن التاريخ يحمل ايضا مفارقات مؤلمة، فالكويت التي وقفت الى جانب القضية الفلسطينية وقدمت الدعم السياسي والمالي والانساني للشعب الفلسطيني في مراحل مختلفة وجدت نفسها خلال أزمة غزو الكويت عام 1990 أمام موقف سياسي مؤلم، عندما أيدت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية موقف العراق، ومن الإنصاف هنا أن نفرق بين الشعوب ومواقف القيادات فالشعب الفلسطيني ليس مسؤولا عن كل موقف سياسي اتخذته قياداته، وقد وقف فلسطينيون ايضا ضد الاحتلال العراقي وساهموا في مساعدة المقاومة الكويتية، لكن المواقف السياسية تبقى جزءا من التاريخ والتاريخ لا يُمحى بالمجاملات، ولم تتوقف التحديات عند ذلك فمن عبدالكريم قاسم الى صدام حسين وصولا الى ايران التي شهدت علاقاتها مع الكويت ودول الخليج توترات واتهامات مرتبطة بتهديد الأمن وزعزعة الاستقرار والتدخل في شؤون دول المنطقة وتهديد أمن الملاحة والسفن في الخليج والمنطقة، وصولا إلى الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة بقيت الكويت حاضرة وثابتة في موقعها دولة مستقلة ذات سيادة تعرف كيف تحمي أمنها وتحافظ على مصالحها وتتمسك بعلاقاتها الدولية، وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل، تغيرت أنظمة وسقطت حكومات ودخلت دول في صراعات وأزمات لكن الكويت بقيت، حرة مستقلة عزيزة وشامخة، وهذه ليست دعوة للعداء او الشماتة باحد بل رسالة من التاريخ تؤكد أن الكويت قد تكون صغيرة في المساحة لكنها كبيرة في إرادتها وصلابتها وقدرتها على تجاوز المحن، لقد أثبتت الكويت أن قوتها الحقيقية لا تقاس بمساحتها ولا بعدد سكانها وحدهما، بل بتماسك شعبها وشرعية دولتها وحكمة سياستها وعلاقاتها الدولية وقدرتها على تحويل الأزمات الى دروس جديدة في حماية الوطن، ومن هنا فإن الرسالة اليوم ليست الى الخارج فقط بل إلى كل من يعيش على أرض الكويت، فالاختلاف حق والمعارضة حق والنقد حق لكن كل ذلك يجب أن يكون داخل حدود الوطنية واحترام الدولة وسيادتها وامنها، اما من يبيع وطنه أو يتآمر عليه أو يستقوي عليه بالخارج فهو لا يختلف مع وطنه بل يطعن فيه، والخائن أخطر من الخصم الظاهر لأن العدو تعرفه أما الخائن فيرتدي ثوب الصديق حتى يكشف نفسه، الكويت لا تطلب من احد ان يحبها بالقوة لكنها تستحق ممن يعيش على أرضها أن يحترمها وممن يختلف معها أن يختلف بشرف وممن يعاديها أن يتحمل مسؤولية عدائه، فالكويت ليست لقمة سائغة وليست وطنا مؤقتا وليست دولة بلا ذاكرة، هي دولة عرفت الأزمات وخرجت منها وعرفت الغزو وعادت وعرفت التهديد وبقيت وعرفت من وقف معها ومن وقف ضدها ولم تتخل عن نهجها في السلام والوساطة والعمل الإنساني، لقد تغيرت الوجوه وتبدلت الأنظمة وتغيرت التحالفات لكن الكويت بقيت وهذه هي الكويت التي نعرفها. دولة لا تبحث عن الحرب لكنها لا تخاف منها، دولة لا تعتدي على أحد لكنها لا تسمح لأحد بالاعتداء عليها، دولة تمد يدها للسلام لكنها تعرف تماما كيف تحمي أمنها وسيادتها، ولذلك نقولها بوضوح، من يحب الكويت فليحفظها ومن يختلف معها فليختلف بشرف، ومن يعاديها فليقرأ التاريخ، ومن يخونها فليعلم أن الوطن قد يسامح كثيرا لكنه لا ينسى الخيانة، فالكويت وطن له ذاكرة، ومن يخون وطنه قد يهرب من الناس لكنه لا يستطيع أن يهرب من التاريخ، حفظ الله الكويت وشعبها وقيادتها وأدام عليها الأمن والاستقرار والعزة وجعلها دائما أرضا للخير والعطاء والسلام، ولهذا ستبقى الكويت حرة مستقلة عزيزة شامخة، ولا يملك الخائن في النهاية إلا أن يكتشف أن الوطن الذي خانه كان أكبر من خيانته.