ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharعربيات ودوليات بقلم أ. د. عماد عواد

مذكرة إسلام آباد إلى أين؟

بحلول السابع عشر من الشهر الحالي انتهت المدة التي حددتها مذكرة إسلام آباد للمفاوضات بين واشنطن وطهران للتوصل إلى اتفاقات نهائية حول العديد من الملفات الخلافية بينهما، وعلى الرغم من أن المذكرة نصت على إمكانية تجديد فترة الستين يوماً لمدة أخرى بموافقة الطرفين إلا أنه لم يصدر من أي منهما ما يفيد ذلك، وهو ما يطرح التساؤل حول مصير هذه المذكرة وسيناريوهات المستقبل، وفي هذا الخصوص تلزم الإشارة إلى مجموعة من النقاط المهمة: أولاً: عانت مذكرة إسلام آباد من الخلافات قبل توقيعها وتعلق ذلك بتاريخ التوقيع الذي أراد الرئيس ترامب أن يتزامن مع الاحتفال بعيد مولده الثمانين، وعارضت طهران تمكينه من استغلال هذا الحدث لأغراض دعائية شخصية. ثانياً: اتسمت صياغة بعض بنود الوثيقة بالغموض، وهو ما فتح الباب سريعاً أمام اتهامات متبادلة بمخالفة نصوص الاتفاقية، وقد اتضح ذلك على وجه الخصوص في البند الخامس المتعلق بمضيق هرمز ومدى تمتع إيران بمكانة متميزة في إدارته. ثالثاً: واقعيا لم تجر مفاوضات حقيقية بين الطرفين حول الملفات التي تضمنتها المذكرة، ولم يكن من المتصور أن يتم التوصل إلى اتفاقات نهائية حولها في فترة قصيرة، وإذا كانت بنود الاتفاقية قد أخذت بأسلوب الصفقات السريع الذي يفضله ترامب، فإن طبيعة الملفات وأسلوب التفاوض الإيراني كانا يشيران إلى أن الأمر قد يستغرق المزيد من الوقت. رابعاً: سبق وأن أعلن الرئيس ترامب، في السابع من يوليو 2026، أن مذكرة التفاوض «انتهت»، مؤكداً عدم رغبته في الدخول في أي تعاملات مستقبلية مع إيران واصفاً مسؤوليها بأنهم «مرضى» وأنهم «يقفون وراء المشكلات في المنطقة»، وتبع ذلك معاودته فرض الحصار البحري على موانئ إيران في الثالث عشر من الشهر ذاته. وقد دفعت تطورات الأمور إيران إلى الإعلان، في الثامن عشر من يوليو، عن تعليق العمل بجميع التزاماتها بموجب المذكرة، متهمة واشنطن بانتهاك تعهداتها ولجوئها إلى الأعمال العدوانية، وشدد المسؤولون الإيرانيون على أن الأولوية لم تعد للمسار التفاوضي. خامساً: أن التخلي عن اتفاق إسلام آباد يعني التخلي عما تم التوصل إليه من صيغ للتعامل مع العديد من النقاط المهمة مثل الملف النووي الإيراني وهو الذي شنت من أجله الولايات المتحدة حربين على إيران دون التوصل إلى تسوية شاملة ونهائية له. وبعيداً عن التصريحات الإعلامية المتبادلة بعد انتهاء المدة المحددة للتفاوض، سواء حول «ضرورة استسلام إيران ورفعها الراية البيضاء» وما تبع ذلك من تصريح إيراني بأنه على واشنطن «الاعتراف بالهزيمة» وأن «إيران العظيمة لا تستسلم»، فضلاً عن قيام الرئيس ترامب بنشر صورة لمضيق هرمز تحت عنوان «أرض أميركية جديدة»، فإن تطورات الأوضاع تضع طرفي الصراع أمام خيارين: - خيار التفاهمات والتهدئة: يمكن هذا الخيار الرئيس الأميركي من الإعلان عن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة ، حتى وإن كان ذلك لفترة محددة، وهو ما يتطلب قيام الإدارة الأميركية بدراسة كيفية التعاطي مع ما صرح به رئيس الوفد الإيراني المفاوض ورئيس البرلمان، في الثامن عشر من الشهر الحالي، عن شروط بلاده لإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي، وتمثلت فما يلي: رفع الحصار، الإفراج عن الأصول المجمدة، رفع العقوبات المفروضة على النفط الإيراني، وإنهاء جميع التهديدات والعمليات العسكرية، بالإضافة إلى تنفيذ واشطن «للشروط الأخرى» التي التزمت بها بموجب مذكرة التفاهم، في إشارة ضمنية إلى وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات. وتعكس هذه الشروط – التي يغلب عليها الطابع الاقتصادي- وطأة الأزمة التي تمر بها إيران والمخاوف من المزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية من جراء تطبيق الضغوط غير المسبوقة التي صرح بها وزير الخزانة الأميركي وأبدي الرئيس ترامب أعجابه وثقته بها. - خيار التصعيد والمواجهة: يتمثل في إصرار الإدارة الأميركية على فرض المزيد من الإجراءات لخنق الاقتصاد الإيراني، الأمر الذي قد يدفع إلى اندلاع الاضطرابات داخل البلاد، والتي قد تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى استغلالها لإسقاط النظام، والمتوقع في هذه الحالة أن تقوم إيران بتفعيل خطط هجومية واسعة النطاق وضعتها مسبقاً وهددت بتنفيذها، بما يعنيه ذلك من احتمال خلق حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار الأمني والاقتصادي في المنطقة، والمزيد من الاختناق للاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى تعزيز السخط في الداخل الأميركي على طريقة إدارة الحرب. وفيما يخص الاضطرابات المحتملة داخلياً فيبدو أن النظام قد أعد العدة للتعامل معها ويكفي في هذا الخصوص الإشارة إلى أن التعينات الأخيرة في البلاد قد شملت تعيين رجل الدين حسين طائب رئيساً لـ«الباسيج»، وهو رسالة للداخل مفادها أن أي محاولات احتجاجية ستواجه بحزم شديد، حيث يتعلق الأمر بشخصية ذات تجارب وخبرات في قمع الاحتجاجات من قبيل ما حدث عام 2009. وفي انتظار تحديد المواقف والخروج من حالة الضبابية الحالية، تتركز الأنظار على الخليج العربي ويقوم كل طرف بحساب المكاسب والخسائر الناجمة عن مواقفه، في وقت تتزايد فيه أعباء الوسطاء للتقريب بين المواقف ودفعهم إلى العودة إلى مذكرة التفاهم لتجنب الانزلاق نحو المجهول.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓