ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharدوليه بقلم راشد خلف

ليلة «عمر»

ليلة «عمر»

حين يطلق الحكم عمر عبد القادر أرتان صافرة بداية مباراة السوبر الأوروبي بين باريس سان جرمان الفرنسي وأستون فيلا الإنكليزي في سالزبورغ النمساوية الليلة، سيدخل الصومالي البالغ 34 عاماً التاريخ بصفته أول حكم من خارج القارة العجوز يقود المباراة التي تجمع بطل دوري أبطال أوروبا ببطل الدوري الأوروبي، في ليلة يفترض أن يكون عنوانها كرة القدم وحدها. ويتزامن السوبر الأوروبي هذا العام مع بلوغ الخلاف بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يويفا والاتحاد الدولي فيفا ذروته، بعدما تصاعدت حدة المواجهة بين الطرفين إلى حد مطالبة رئيس فيفا جياني إنفانتينو بالاستقالة، في تطور يعكس حجم التوتر المتزايد بين المؤسستين الكرويتين الأكبر في العالم. لكن! ما علاقة أرتان بهذا الأمر خصوصا أن الاتحاد الأفريقي للعبة يفضل الوقوف إلى جانب انفانتينو في هذا الصراع الحامي؟ القصة ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى أسابيع مضت، وتحديداً في مطار ميامي. وقتها كان أرتان يستعد لتحقيق حلمة في المشاركة بإدارة مباريات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة، وذلك بعد أن اختير ضمن قائمة الحكام المشاركين في البطولة. ورغم أنه يحمل تأشيرة سارية وجواز سفر دبلوماسيًا، إلا أن دخوله إلى بلاد العم سام تعذر بسبب إجراءات السفر المفروضة على مواطني الصومال، لينتهي حلمه المونديالي حتى قبل أن يبدأ. كان ذلك القرار نقطة تحول في مسيرة الحكم الصومالي، لكنه سرعان ما اكتسب بعدًا يتجاوز أرتان نفسه. فبعد استبعاده من كأس العالم، جاء إعلان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عن إسناد إدارة السوبر الأوروبي إليه، ومن هنا بدأت قصة أخرى. حكم استُبعد من كأس العالم التي ينظمها فيفا، يجد نفسه بعد أسابيع يقود واحدة من أهم مباريات الاتحاد الأوروبي، وكأن الملعب الأوروبي فتح له الباب الذي أغلقته بوابة المطار الأميركي. المبادرة الأوروبية لاقت وقتها استحسان مجتمع كرة القدم، ولم يُنظر إليها وكأنها مواجهة بين فيفا ويويفا، لكن تزامن الحدثين منح التعيين دلالة يصعب تجاهلها، خصوصاً أن العلاقة بين الاتحادين تعاني أصلًا من خلافات متراكمة حول مستقبل اللعبة وطريقة إدارة كرة القدم العالمية. ومع مرور الوقت، أخذت هذه الخلافات مساحة أكبر، إلى أن تحولت من تباينات خلف الكواليس إلى مواجهة أكثر وضوحًا، حتى بلغ الصراع ذروته في الأيام الأخيرة بعد أن وجه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، إلى جانب نظيريه الآسيوي والكونكاكاف، خطابًا مشتركًا إلى فيفا انتقدوا فيه بشدة طريقة إدارة إنفانتينو للاتحاد الدولي، على خلفية مشروع بيع حصة من الحقوق التجارية لكأس العالم. واتهمت الاتحادات الثلاثة قيادة فيفا بالإخلال بالثقة والتصرف بصورة أحادية، وطالبت بتحقيق مستقل في القضية. كما تصاعدت الدعوات إلى تنحي إنفانتينو، فيما لوّحت الاتحادات بإمكانية مقاطعة مسابقات فيفا مستقبلًا إذا لم تقدم ضمانات تتعلق بالحوكمة وطريقة اتخاذ القرار. والحقيقة أن الحكم الصومالي لم يكن طرفًا في الخلاف، ولم يختر أن يصبح رمزًا له، وكل ما فعله أنه عاد إلى الملعب بعد أن أُغلقت أمامه الطريق إلى كأس العالم. وربما كانت إحدى أهم محطات تلك العودة في الكويت، التي احتضنت أرتان قبل أن تفتح له أوروبا أبوابها، حين استُدعي في يونيو الماضي لإدارة قمة ختام الدوري الممتاز بين الكويت والقادسية، في المباراة التي توج فيها الكويت بطلاً للدوري. واستقبله الاتحاد الكويتي بتكريم خاص، في مشهد حظي باهتمام واسع، خصوصًا من أبناء الجالية الصومالية، ليجد الحكم الذي تعثرت رحلته إلى المونديال تقديرًا جديدًا على أرض الملعب، قبل أن يذهب بعد ذلك بأسابيع قليلة إلى مناسبة أكبر في سالزبورغ. الصافرة التي سيطلقها أرتان في الساعة العاشرة مساء اليوم، لن تكون مجرد إشارة لانطلاق مباراة بين باريس سان جرمان وأستون فيلا، بل بداية فصل جديد في قصة حكم قادته ظروف خارجة عن الملعب إلى ملعب أوروبي هو الأهم في مسيرته حتى الآن. وبعد 90 دقيقة، أو ربما أكثر، ستأتي صافرة النهاية لتغلق ليلة استثنائية في مسيرته، ليلة دخل فيها التاريخ من بوابة أوروبا، بعدما أُغلقت في وجهه بوابة المونديال، ولتؤكد أن الطريق إلى المجد لا يسير دائمًا كما هو مخطط له، وأن ما يبدو نهاية لحلم قد يكون بداية لحلم أكبر.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓