لو لم يصل ناصر للحكم (3-3)
من الكوميديا السوداء المصاحبة لانقلاب يوليو 52 أنه لولا أن دخل بطل الانقلاب الحقيقي الضابط الشيوعي يوسف صديق لبار اللواء لشرب ماء النار لتقوية العزيمة ومن ثم قراءته الخاطئة لساعة البار وسط الأضواء الخافتة وتحركه بالخطأ ساعة قبل الموعد المقرر لفشل الانقلاب، كون أخباره قد تسربت للملك وبدأ كبار الضباط بالتوافد إلى رئاسة الأركان لإفشاله فقبض عليهم يوسف صديق وقبض معهم على عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وهم بملابسهم المدنية يرصدون الأحداث عند رئاسة الأركان، فإذا فشل الانقلاب تبراؤا منه واستشهدوا بملابسهم المدنية وتركوا لزملائهم الانقلابيين أعواد المشانق وإن نجح كما حدث تخلصوا منهم وأول من تخلصوا منه يوسف الصديق ولحقه محمد نجيب وبقية الانقلابيين تباعا وادعوا أنهما أي ناصر وحكيم- بطلاه وهذا ما حدث ضمن التزييف الفاضح للتاريخ الذي جعل ناصر لا نجيب أول رئيس لجمهورية مصر.. يبقى تساؤل منطقي محق.. ما شكل مصر والمنطقة لو فشل الانقلاب ولم يحكم عبدالناصر مصر؟! *** 1- لبقيت مصر حتى اليوم ملكية وتضم السودان بشماله وجنوبه وعلى الأرجح سورية حيث إن رئيسها الوطني شكري القوتلي كان محبا ومحبذا للوحدة مع مصر لعيشه فيها سنوات طوالا إبان النضال وبالطبع كان سيحكم سورية نائبا عن ملك مصر كما سيحكم على الأرجح د. إسماعيل الأزهري السودان بعد الاستفتاء نيابة عن الملك، وكانت مملكة ليبيا ستنضم لتلك الوحدة ومعها المملكة اليمنية بقيادة الإمام البدر على الأرجح لحب السنوسي والبدر لمشروع الوحدة العربية، وكانت تلك الوحدة ستكون أقرب إلى الاتحاد الأوروبي أو اتحاد الإمارات العربية المتحدة فلم يكن الملك فاروق أو ولي عهده أحمد فؤاد تسلطيَّين ولديهما أحقاد كحال الزعيم الخالد عبدالناصر. 2- لانضمت مصر وشجعت الدول العربية على الانضمام لحلف بغداد، ولما حدثت بعد ذلك كل الحروب والهزائم اللاحقة، ولحلت القضية الفلسطينية طبقا لمشروع أيزنهاور ولكانت منطقتنا تنافس أوروبا الغربية وشرق آسيا في التقدم والثراء. 3- ولكانت مصر الملكية الآن دولة صناعية شديدة التقدم والثراء وضمن حلف عسكري عربي إسلامي يضم جميع دول الشرق الأوسط، ولكان التنافس بين دول الإقليم بالتقدم والرفاه لا بالتخلف والفقر والعوز. 4- ولما حدثت الانقلابات العسكرية العربية وابتليت الأمة العريقة بقيادات مدمرة كحال صدام والأسدين والقذافي وصالح والبشير وعرفات وقادة حماس، ولما شهدنا الحروب والهزائم، ولوفرنا موارد الأمة للتعليم والتنمية والرفاه. 5- ولكانت أنظمتنا وشعوبنا إنسانية ليبرالية معتدلة كحال أنظمة الخليج القدوة، ولما شهدنا تمدد حركات الإسلام السياسي التي نشأت وترعرعت بسبب إخفاق وقمع الأنظمة الانقلابية الثورية اليسارية.. حكم عبدالناصر لم تشهد مصر أو الأمة العربية يوماً سعيداً قط في عهده. *** آخر محطة: 1- لا يستبعد لولا الانقلابات والثوريات الحمقاء أن يكون لدينا الآن الاتحاد الشرق الأوسطي الكبير كحال الاتحاد الأوروبي ولكانت الحدود مفتوحة بين جميع دول الإقليم والسلام هو السائد. 2- ولما حدثت كارثة تأميم قناة السويس وما ترتب عليها من حروب واحدة تلد أخرى وما تبعها من عمليات تأميم وسيطرة أجهزة الدول المتخلفة على اقتصاد الدول مما أشاع الفساد المالي والبيروقراطية والتخلف والفوضى.. يتبقى أن أمة تسبح بحمد قاتليها ومدمريها وتذم معمّريها وتصفهم بالتخلف والرجعية تحتاج إلى فحص عقول مفكّريها ومثقَفيها قبل فحص عقول الأميِّين والجهلة.