ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharالاخيرة بقلم ناهس العنزي

حين يصبح تاريخ الكويت ضيفاً ثقيلاً على شاشتها

يا سادة، ارفعوا القبعات احتراماً لتلك الرؤية الإعلامية العجيبة التي يبدو أنها اكتشفت أن أفضل وسيلة للمحافظة على التراث الكويتي هي.. إخفاؤه! فالحديث هنا عن مسلسل «الطبعة 1871»، الذي يتناول واحدة من أعظم المآسي في التاريخ البحري للكويت؛ مأساة غرق سفن أهل الكويت وبحارتها في بحر العرب إثر إعصار نجم الأحيمر المدمر عام 1871. لسنا أمام قصة متخيَّلة، بل أمام صفحة حقيقية ومؤلمة من تاريخ الوطن؛ رجالٌ خرجوا إلى البحر طلباً للرزق، فعاد البحر بسفنهم وأرواحهم، وبقيت مأساتهم محفورة في الذاكرة الوطنية، شاهدةً على تضحيات الآباء والأجداد. ومع ذلك، أُبعد هذا العمل عن العرض في رمضان 2025، وحُرم المشاهد الكويتي من مشاهدته في الموسم الذي تجتمع فيه الأسر أمام الشاشات، بينما امتلأت البرمجة بأعمال مستوردة لا تمت إلى تاريخ الكويت أو هويتها بصلة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فبعد أشهر، أُتيح عرض المسلسل خارج موسمه الطبيعي، وجاء عرضه ناقصاً، إذ غابت المقدمة، وحُذفت النهاية في غالبية الحلقات، وكأن العمل يُعرض على استحياء، لا باعتباره إنتاجاً يوثق جزءاً مهماً من تاريخ الكويت. وهنا يبرز سؤال مشروع: أين مكان تاريخ الكويت على شاشة الكويت؟ إن «الطبعة 1871» ليس مجرد مسلسل، بل محاولة جادة لإحياء ذاكرة البحر، واستحضار سيرة رجال عاشوا بين الموج والرزق والخطر، وحملوا أحلام وطنهم على ظهور السفن، قبل أن يبتلعها البحر في واحدة من أكثر الكوارث إيلاماً في تاريخ الكويت. وقد بذل الأديب الأستاذ مشاري حمود العميري جهداً كبيراً في البحث والتوثيق وتحويل هذه المأساة التاريخية إلى عمل درامي يستحق التقدير والاحتفاء، لا أن يُعامل وكأنه عبء على الشاشة الوطنية. فإذا كنا نتحدث كثيراً عن الهوية الوطنية، فإن الهوية لا تُصنع بالشعارات، ولا تُحفظ بالخطب، وإنما تُبنى حين يرى الأبناء تاريخ وطنهم حياً أمامهم، ويعرفون قصص رجاله وتضحياتهم، ويشعرون بأن تاريخهم حاضر في وجدانهم لا غائب عن شاشاتهم. وربما أصبح الحل أن نضع التراث في الكتب، ونحتفل به في المناسبات، ونتغنى به في الخطب، فإذا جاء دوره على الشاشة قلنا له: ليس الآن… ربما في وقتٍ آخر! لكن الحقيقة أن «الطبعة 1871» ليس ضيفاً ثقيلاً على شاشة الكويت. إنه تاريخ بحارتنا، وسفننا، وأهلنا، وبحرنا. والتاريخ الذي صنع الوطن لا يجوز أن يُترك في آخر الصفوف، بل يليق به أن يكون في مقدمة المشهد. * مستشار قانوني ومحامٍ

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓