باحثة كويتية تكشف كيف قرأ العرب الزمن من السماء

قبل ظهور الخرائط الحديثة والساعات الرقمية، كانت المجتمعات العربية تقرأ السماء لتحديد الاتجاهات، وفهم تغيّرات الطقس، ومعرفة مواسم الزراعة. لم تكن النجوم مجرد نقاط مضيئة في الليل، بل شكّلت نظاماً معرفيًّا انتقل عبر اللغة والشعر والمرويات الشفوية. من هذا المنطلق، تستكشف الباحثة المتخصّصة في علم الفلك العربي القديم الكويتية بدرية السالم، في مشروعها «Resistant Atlas: Names of the Sun»، كيف تحوّلت السماء إلى مصدر للمعرفة، وكيف يمكن لهذا الإرث القديم أن يجد مكانه في عالم اليوم من خلال الفن والتكنولوجيا. وأوضحت السالم أنّ علاقتها بعلم الفلك بدأت من الانبهار بجمال السماء، قبل أن تتحول إلى بحث في علاقتها بالذاكرة الثقافية. ومع تعمّقها في هذا المجال، اكتشفت أنّ النجوم لم تكن بعيدة عن الحياة اليومية للمجتمعات العربية، بل كانت حاضرة في اللغة والتراث والذاكرة الجماعية. وأشارت الباحثة الكويتية في مقابلة مع شبكة «سي.إن.إن» الأميركية إلى أنّ هذا الحضور امتدّ إلى تفاصيل شخصية، مثل اسمها «بدرية» المرتبط بليلة اكتمال القمر، كما ظهر في عبارات عربية متوارثة تختزن معرفة فلكية عميقة، مثل عبارة «بين الثرى والثريا» التي كانت تسمعها منذ طفولتها من دون أن تدرك أن «الثريا» تشير إلى عنقود نجمي حقيقي يعلو سماء الشتاء. وقالت السالم: إنّ اللغة كانت الوسيلة الأهم لحفظ هذه المعرفة ونقلها، خصوصاً لدى المجتمعات التي اعتمدت على الترحال في الصحراء، لأنها قادرة على حمل كمّ هائل من المعلومات عبر الزمن من دون وسيط مادي. وفي اللغة العربية، لم تكن الكلمات مجرد أوصاف، بل تحولت إلى قصص وصور ذهنية تربط الإنسان بالبيئة المحيطة به. فالعرب، الذين احتاجوا إلى الاهتداء وقياس الزمن في بيئة متغيّرة بفعل الرياح والرمال، حوّلوا السماء الليلية إلى منظومة من الحكايات تساعدهم على قراءة النجوم وحفظ مواقعها. وتستشهد السالم بنجم «سهيل» الذي ارتبط في الموروث العربي بصفات إنسانية مستوحاة من لمعانه وموقعه في السماء؛ فقد جُسد كشخصية قوية وعاطفية، بينما فُسر انخفاضه قرب الأفق الجنوبي على أنه انعزال أو خجل. ولم تكن هذه الصفات مجرد خيال، بل وسيلة ذكية لتثبيت سلوك النجم في الذاكرة وربطه بالملاحة والزراعة والمواسم. وانطلقت السالم في مشروعها «Resistant Atlas: Names of the Sun» من تساؤلات حول الطريقة التي يفهم بها الإنسان المعاصر الزمن والمكان، خصوصاً عبر الأجهزة والأنظمة الرقمية التي تُقدّم تصوّراً موحّداً وخطّياً للوقت والمساحة. وأوضحت أن هذه الأسئلة قادتها إلى البحث في كيفية تنظيم الإنسان لحياته قبل ظهور الأنظمة الحسابية الحديثة، وكيف استطاعت المجتمعات القديمة بناء طرق دقيقة لفهم الزمن والمكان من خلال مراقبة البيئة والسماء. ويحمل عنوان المشروع طبقات متعددة من المعنى؛ فكلمةResistant «المقاوم» تشير إلى محاولة إعادة التفكير في التصورات الحديثة الجامدة والخطية للزمان والمكان، بينما يعكس «Atlas» «الأطلس» فكرة رسم خرائط للمعرفة الناتجة عن العلاقة بين الإنسان وبيئته، والحوار المستمر بين البشر والسماء والشمس والقمر والنجوم والظواهر الطبيعية. ويجمع المشروع بين المقالات والخرائط والرسومات والأدوات والأعمال التركيبية، بهدف فك شيفرة السماء وإعادة بناء علاقتنا بها. أما Names of the Sun «أسماء الشمس»، فهو الفصل الأول من المشروع، الذي يدرس 41 اسماً عربياً للشمس، وتحليل هذه الأسماء كشف أنها ليست مجرد تعابير شعرية، بل تحمل طبقات من المعرفة؛ إذ يمكن لاسم واحد أن ينقل معلومات عن الحجم والارتفاع والإحساس والفصل والوقت من اليوم في آن واحد.