ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم يوسف الحميدي

عمليًا

أسعد الله صباحك أو مساءك عزيزي القارئ أود أن تعيرني انتباهك واهتمامك وتركيزك؛ فأنا هنا اليوم لأعيد إلى مكتبة أفكارك فكرة الكاتب؛ ولن أحدثك عن الأدب بوصفه فنًا. ولا عن البلاغة بوصفها أداة فقط، وإنما لأوضح لك دوري الذي أحسبه كاتبًا. قد أكون كاتبًا حديث عهد عند بعض الكتاب الكبار، أو لست روائيًا بالحجم الفلاني، لكني أحب أن تكون على معرفة بما يقوم به الكاتب، وليعرف أيضًا الكاتب بما يجب عليه القيام به. ولكي لا «يزعل» مني الكتّاب الآخرون، أيًا كان موقعهم، أود أن أخبرك بأن الكتابة، على الصعيد الشخصي للكاتب؛ هي فعل تنفيس قبل أن تكون فعل نشر. وهي حقيقة نادرًا ما يعترف بها الكُتّاب. فهي وسيلة علاجية لصاحبها، كأنه ذاهب إلى طبيب نفسي، ويجلس على الأريكة الطويلة، ويخرج ما في صدره من هموم وأفكار. الكاتب يفرغ ما بداخله على الورق أو على «الكيبورد»، يكتب ما يشعر به، وما يفهمه من الحياة، أو حتى ما يتخيله عنها. وهذا كله جميل… لكنه لا يكفي. فبعض الكتّاب يظنون أن القارئ مسؤول عن حمل أعبائهم النفسية معهم. يكتب أحدهم ألف كلمة، ثم إذا سألته: «وماذا أردت أن تقول؟» احتار هو قبل أن يحتار القارئ. لقد استراح الكاتب، لكن القارئ خرج متعبًا! وهذه ليست كتابة، وإنما جلسة علاج خاصة دُعي إليها الناس دون استئذان. الكاتب الحقيقي لا يكتب فقط ليخفف عن نفسه، بل يكتب ليصل. يكتب لأن فكرة تستحق أن تعبر من رأسه إلى عقول الآخرين، ومن قلبه إلى قلوبهم. يكتب ليوقظ سؤالًا، أو يهدئ خوفًا، أو يفتح نافذة، أو يغير زاوية نظر. فإذا انتهى القارئ من النص وهو يشعر أن شيئًا داخله قد تحرك، فقد نجحت الكتابة في أداء رسالتها. وحتى وإن كان ما يكتبه لتسلية القارئ فعليه أن يكون مسلياً جيداً على الأقل وليس تجارياً. ولهذا أقول دائمًا: إن الكاتب يجب أن يعرف ماذا يكتب، ولماذا يكتب، ولمن يكتب. فإن أحب نشر ما كُتِب، فلا بد أن يلامس الناس. وإن كتب فانتازيا على سبيل المثال وقصة من القصص الخيالية، فبالإضافة إلى دورها المسلي كونها خيالية فهي وحدها لا تصنع أدبًا يعيش دون فكرة وعرض مختلف. الأدب يفتح آفاقًا، ويزرع إدراكًا جديدًا، ويجعل الإنسان يرى نفسه والعالم بطريقة مختلفة. فإن لم يفعل، فليكتبه صاحبه لنفسه، وسيكون قد أدى الغرض العلاجي على أكمل وجه. وأضيف إلى معلوماتكم أعزائي القراء والكُتاب أيضًا أنه لا يوجد موضوع لم يُكتب فيه، ولا فكرة لم تخطر على عقل إنسان قبلنا. فلا شيء جديداً، حتى فيما أكتبه لك الآن. الجديد دائمًا هو طريقة العرض. كيف تحمل الفكرة إلى الناس؟ كيف تُساق إليهم بفنٍّ بدل أن تُجرُّ جرًا؟ وكيف تلبسها ثوبًا يفهمه الناس دون أن تخلع عنها عمقها؟ ولعل هذا هو أحد أسباب تراجع القراءة في بعض المجتمعات. فهذا نقاش تناولته مراتٍ عدة مع مجموعة المثقفين والقراء. لأن الكاتب توقف عن النزول إلى الشارع، وصعد إلى برجه العاجي. صار يكتب لفئة معينة قليلة، ويتناسى الفئة الكثيرة، وينتظر الثناء من الكبار ويتجاهل وجود الأغلبية، ثم يتساءلون بعد ذلك: لماذا لا يقرأ الناس؟ لأن الناس لم يجدوا أنفسهم في النصوص. وجدوا استعراضًا لغويًا، وجملًا متورمة، ومصطلحات تحتاج إلى مترجم، بينما الحياة في الخارج تمضي بلغة أبسط، لكنها أصدق. وبالمناسبة فمن كبار كتاب الوطن العربي والعالم هو نجيب محفوظ؛ كان يكتب للشارع، ولذلك بقي الشارع يقرأه. لم يكن يكتب من فوق الناس، بل من بينهم. جلس في المقهى، واستمع إلى البائع، والموظف، والسائق، وربّة المنزل، ثم كتبهم كما هم. لم يكن يستعرض ثقافته عليهم، بل منحهم صوتًا. ولذلك لم تكن شخصياته شخصيات روائية فحسب، بل كانت وجوهًا نعرفها، وربما نجلس بجانبها كل يوم. وقد نال جائزة نوبل للأدب وهو على القهوة في حيّ شعبيّ لا في قصر بعيد عن الواقع. وأحسب أن هذا هو الدور الحقيقي للكاتب. الكاتب ليس قلمًا يستهلك الحبر، ولا آلة تنتج الكلمات. الكاتب عين ترى ما اعتاده الناس حتى كفوا عن رؤيته، ولسان ينطق بما عجز كثيرون عن التعبير عنه. إنه صوت يلتقط من قلب المجتمع، ثم يعيده إليه أكثر وضوحًا. لا يقصي الحقيقة لأنها مزعجة، ولا يجملها لأنها قاسية، بل يعريها حتى يراها الجميع كما هي. فهو لا يمسك بدفة المركب وحده، لكنه يساعد الركاب على أن يروا إلى أين يتجه المركب. فالكاتب في نظري لا يكتب عن الناس فقط، بل يكتب معهم. يصنع شعورًا مشتركًا، ويذكرنا بأننا لسنا أفرادًا متفرقين، بل ركاب في مركب واحد. قد تختلف مقاعدنا، لكن البحر واحد، والعاصفة واحدة، والوصول أو الغرق سيكون للجميع. فإذا نجح الكاتب في أن يجعل القارئ يشعر بهذه الشراكة الإنسانية، فقد أدى رسالته قبل أن ينهي ما يكتبه. وأخيرًا، في مقالاتي هنا، أحاول أن أكون عمليًا أكثر مما أكون منظّرًا. لا أريد أن أضيف كلامًا إلى الكلام، ولا جدلًا إلى الجدل. لقد مللنا النصوص التي تنتهي كما بدأت، وتترك القارئ في المكان نفسه. والتي تزعج الناس من كثرة التنظير البائس دون حلول عملية. أطمح أن يخرج القارئ من كل مقال وفي يده فكرة يمكن أن يطبقها، أو سؤال يستحق أن يبحث له عن جواب، أو موقف يدفعه إلى أن يكون أفضل قليلًا مما كان عليه قبل القراءة. وما يساعد الكاتب على أداء هذه الرسالة هو القارئ الذي يركز، ولذلك طلبت منك التركيز في البداية. ومن ينتقد ليفهم ويبني. لأن الكلمات وحدها لا تصنع أثرًا، وإنما تصنعه حين تجد من يفهمها ويحاول العمل بها. وعلى الله نتوكل، وبه نستعين.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓