ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم وائل يوسف المطوع

متى التكويت يا معالي الوزير؟ ليس للوظائف الإشرافية فقط.. بل لمهنة التعليم أيضاً

ثلاثة عشر عاماً... والحديث عن تكويت التعليم لا يتغير، بينما يتغير الوزراء، وتتبدل القيادات، ويبقى السؤال نفسه معلقاً: متى يتحول الوعد إلى خطة، والخطة إلى واقع؟ على مدى أكثر من ثلاثة عشر عاماً، ظل ملف تكويت مهنة التعليم حاضراً في تصريحات مسؤولي وزارة التربية، حتى أصبح أحد الملفات التي يتكرر الحديث عنها أكثر مما تُرى نتائجه على أرض الواقع. ففي عام 2012 أعلنت الوزارة خطة لتكويت مهنة التعليم خلال عشر سنوات، بالتعاون مع جامعة الكويت والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، بهدف إعداد الكوادر الوطنية وتقليل الاعتماد على المعلمين الوافدين. وفي عام 2022 أكد وزير التربية الأسبق الدكتور حمد العدواني أن الوزارة تعمل وفق مسارين واضحين؛ الأول تكويت الوظائف الإشرافية، والثاني تكويت مهنة التعليم، مع وضع خطط تختلف من تخصص إلى آخر بحسب توفر العنصر الوطني. واليوم، نقرأ عن خطة واضحة لتكويت الوظائف الإشرافية تستهدف الوصول إلى تكويتها بالكامل، وهو توجه يستحق كل الإشادة، لأنه يعزز وجود الكفاءات الوطنية في مواقع القيادة التربوية. لكن يبقى السؤال الذي ينتظر آلاف المواطنين إجابته: أين خطة تكويت مهنة التعليم؟ فالمعلم هو أساس العملية التعليمية، وهو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الوطن، ولذلك فإن الحديث عن تكويت التعليم لا ينبغي أن يقتصر على الوظائف الإشرافية، بل يجب أن يبدأ من الفصل الدراسي، حيث تُبنى الأجيال وتصنع العقول. معالي الوزير... لا يكاد يمر عام إلا ونقرأ عن إنهاء خدمات أعداد من المعلمين غير الكويتيين، وفي الوقت ذاته نقرأ عن استمرار التعاقدات لسد الاحتياجات من داخل الكويت وخارجها. وهنا يبرز سؤال مشروع: من هو البديل الوطني؟ ومتى سنصل إلى مرحلة لا يكون فيها البحث عن المعلم خارج الحدود هو الخيار الأول؟ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد أفراد الهيئة التعليمية في وزارة التربية يتجاوز 104 آلاف معلم ومعلمة، بينما يبلغ عدد غير الكويتيين نحو خمسة وعشرين ألف معلم ومعلمة تقريباً. وهذا يعني أن مشروع تكويت مهنة التعليم لا يتعلق بأرقام مجردة، بل يتحدث عن توفير ما يقارب خمسة وعشرين ألف فرصة عمل للمواطنين والمواطنات على المدى المتوسط والطويل. إنها ليست بضعة وظائف... بل مدينة وظيفية كاملة يمكن أن تستوعب آلاف الخريجين الكويتيين إذا وُضعت خطة وطنية واضحة لإعدادهم وتأهيلهم وإحلالهم تدريجياً. لكن في المقابل، هناك نقطة مهمة كثيراً ما تغيب عن النقاش. النسبة العامة قد تكون مضللة. فارتفاع نسبة التكويت الإجمالية للهيئة التعليمية قد يعطي انطباعاً بأن الملف يسير بصورة ممتازة، بينما الواقع مختلف تماماً. ذلك لأن بعض التخصصات وصلت بالفعل إلى نسب تكويت مرتفعة جداً، بل حققت الاكتفاء الكامل تقريباً، مثل رياض الأطفال والتربية البدنية، بينما لا تزال تخصصات أخرى تمثل التحدي الحقيقي. فالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وبعض التخصصات العلمية، لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على المعلمين غير الكويتيين، وتشير البيانات إلى أن نسبة الكويتيين في بعض هذه التخصصات لا تصل حتى إلى 15%. وهنا تكمن المشكلة. تكويت التعليم لا يُقاس بالنسبة العامة... بل بعدد الفصول التي يقف فيها معلم كويتي. فالنجاح الحقيقي لا يكون عندما نقول إن نسبة التكويت ارتفعت، وإنما عندما نتمكن من سد العجز في التخصصات التي تحتاجها مدارسنا فعلاً. لقد كانت الرؤية قبل سنوات تقوم على التنسيق بين وزارة التربية وجامعة الكويت والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب لإعداد المعلمين وفق احتياجات الوزارة. أما اليوم، وبعد التوسع الكبير في مؤسسات التعليم العالي، فلم يعد ذلك كافياً. إن مشروع تكويت التعليم يجب أن يكون مشروعاً وطنياً تشارك فيه وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي، وجامعة الكويت، وجامعة عبدالله السالم، والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، والجامعات الخاصة، إضافة إلى برامج البعثات الخارجية، بحيث تعمل جميعها وفق خريطة وطنية موحدة تحدد احتياجات وزارة التربية من كل تخصص، ليس للعام المقبل فقط، وإنما لخمس وعشر سنوات قادمة. فلا يعقل أن تستمر الجامعات في تخريج أعداد كبيرة في تخصصات مكتفية، بينما تعاني المدارس نقصاً مزمناً في تخصصات أخرى، ثم نلجأ بعد ذلك إلى التعاقد من الخارج لسد هذا النقص. المؤسف أن غياب الشفافية يجعل من الصعب حتى على الكاتب أو الباحث أن يقيم واقع التكويت بصورة دقيقة. فأين التقرير السنوي الذي يبين: ? عدد المعلمين الكويتيين وغير الكويتيين في كل تخصص؟ ? نسبة التكويت في كل مادة دراسية؟ ? حجم الاحتياج خلال السنوات الخمس والعشر المقبلة؟ ? متى نصل إلى الاكتفاء الذاتي في كل تخصص؟ هذه ليست مطالب إعلامية، بل أدوات أساسية للتخطيط، ومن حق المواطن أن يطلع عليها، خصوصاً أن التعليم يمثل أحد أكبر قطاعات الدولة. إن الدولة، بتوجيهات من سيدي حضرة صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله ورعاه، ومتابعة سمو رئيس مجلس الوزراء، تتجه إلى تعزيز حضور الكفاءات الوطنية في مختلف مؤسسات الدولة، وقد شاهدنا عدداً من الجهات الحكومية يعلن خططاً زمنية واضحة للتكويت، بل إن بعضها وصل إلى نسب تكويت كاملة. ومن هنا يحق للمواطن أن يتساءل: إذا استطاعت وزارة التربية أن تضع خطة واضحة لتكويت الوظائف الإشرافية بنسبة 100%، فلماذا لا تعلن خطة مماثلة لتكويت مهنة التعليم؟ لسنا ضد الاستعانة بالخبرات الوافدة عندما تستدعي الحاجة ذلك، فالخبرة محل تقدير، ومصلحة الطلبة فوق كل اعتبار. لكن الاعتماد على المعلم الوافد يجب أن يكون مرحلة انتقالية لها بداية ونهاية، لا واقعاً دائماً يمتد لعقود. معالي الوزير... لو سألك اليوم خريج كلية التربية، أو خريج جامعة الكويت أو جامعة عبدالله السالم، أو أحد خريجي الجامعات الخاصة، أو طالب مبتعث يدرس على نفقة الدولة: متى سأكون أنا البديل الحقيقي للمعلم الوافد؟ هل نملك إجابة واضحة؟ وهل توجد خارطة طريق معلنة يستطيع أن يبني عليها مستقبله؟ إن شباب الكويت لا تنقصهم الرغبة في خدمة وطنهم، لكنهم بحاجة إلى رؤية واضحة، وإلى تخطيط يربط بين مخرجات الجامعات واحتياجات المدارس، حتى لا يتحول الخريج إلى باحث عن وظيفة، بينما تستمر الوزارة في البحث عن معلمين من خارج البلاد. إن الوصول إلى تكويت كامل لمهنة التعليم لن يتحقق بقرار إداري، لكنه أيضاً ليس حلماً بعيد المنال. فلو نجحت الدولة في إحلال ألفين إلى ثلاثة آلاف معلم كويتي سنوياً في التخصصات المطلوبة، مع إعادة توجيه القبول الجامعي والبعثات الخارجية وفق الاحتياجات الفعلية، فإن الكويت ستكون قادرة خلال سنوات على تحقيق الاكتفاء الذاتي في أهم مهنة تبني الإنسان. ولهذا، فإنني أضع بين يدي معاليكم أربع مبادرات عملية: ? إعلان خطة وطنية لتكويت مهنة التعليم حتى عام 2035، تخصصاً بتخصص، مع نسب إنجاز سنوية معلنة. ? إصدار تقرير سنوي للشفافية يتضمن أعداد المعلمين الكويتيين وغير الكويتيين في كل تخصص، ونسب الاكتفاء والعجز والاحتياجات المستقبلية. ? إنشاء مجلس وطني دائم للتخطيط التربوي يضم وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي، وجامعة الكويت، وجامعة عبدالله السالم، والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، والجامعات الخاصة، والجهات المشرفة على البعثات، لتوحيد التخطيط لمخرجات إعداد المعلمين. ? إعادة توجيه القبول الجامعي والبعثات الدراسية نحو التخصصات التي تحتاجها المدارس فعلياً، بدلاً من استمرار الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الميدان. معالي الوزير إن نجاح تكويت الوظائف الإشرافية يستحق الإشادة، لكن النجاح الأكبر سيكون عندما يصبح المعلم الكويتي هو الخيار الأول، لا البديل الأخير. فنحن لا نبحث عن تصريح جديد، ولا عن وعد يتكرر مع كل وزير. بل نبحث عن مشروع وطني واضح، يبدأ بإعداد المعلم الكويتي، وينتهي بوصول الكويت إلى الاكتفاء الذاتي في مهنة هي الأهم في بناء الإنسان. فالتكويت الحقيقي لا يقاس بعدد العقود التي أُلغيت، بل بعدد المعلمين الكويتيين الذين أُعدوا، وأُحسن تأهيلهم، وأُتيحت لهم الفرصة ليقفوا أمام أبنائنا في الفصول الدراسية.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓