ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharدوليه بقلم راشد خلف

تفاصيل المدربين الصغيرة.. لاحظها حتى ترامب

تفاصيل المدربين الصغيرة.. لاحظها حتى ترامب

يتعرض المدربون في عالم كرة القدم لانتقادات لا تتوقف، ويصبحون أول المتهمين عند أي خسارة، سواء جاءت بسبب خطأ تكتيكي، أو هفوة فردية، أو حتى سوء حظ. وتتضاعف حدة هذا النقد عندما يتعلق الأمر بالمنتخبات الوطنية، قبل أن تبلغ ذروتها في البطولات الكبرى مثل كأس العالم، حيث تتحول كل مباراة إلى محاكمة علنية لقرارات المدرب واختياراته. وبينما يتعرض بعض المدربين لهجوم يتجاوز حدود الإنصاف، فإن آخرين يمنحون منتقديهم كل المبررات بسبب أخطاء فنية تبدو واضحة للجميع، إلى درجة أن يلاحظها حتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يعترف بأنه لا يعرف الكثير عن كرة القدم. ولم يكن تعليق ترامب خلال حفل استقبال الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» في نيويورك مجرد مزحة عابرة، بل تحول إلى أحد أكثر التصريحات تداولاً عقب خروج المنتخب الإنكليزي من نصف نهائي كأس العالم أمام الأرجنتين بنتيجة (2-1). فبأسلوب ساخر حمل بين طياته انتقاداً واضحاً، قال ترامب: «لديكم لاعب رائع في إنكلترا، لقد لعبت معه الغولف وهو هاري كين. أعتقد أنهم ربما ارتكبوا خطأً عندما حولوه إلى لاعب دفاعي! ما الذي أفهمه أنا في كرة القدم؟ لقد أخذوا التقدم، ثم أخذوا أفضل لاعب لديهم ووضعوه في الدفاع.. علينا أن نكون هجوميين بعض الشيء، أليس كذلك؟». ورغم أن ترامب أتبع حديثه بعبارة «ما الذي أعرفه عن التدريب؟»، فإن كلماته لامست جوهر الأزمة التي عاشها المنتخب الإنكليزي في تلك الأمسية، وأعادت إشعال الجدل حول الخيارات الفنية للمدرب الألماني توماس توخيل، بعدما رأى كثيرون أن الفريق خسر المباراة من المنطقة الفنية أكثر مما خسرها داخل المستطيل الأخضر. ولم يكن توخيل المدرب الوحيد الذي وجد نفسه في مرمى الانتقادات خلال هذا المونديال، إذ كشفت البطولة أن بعض أكبر المنتخبات في العالم سقطت ضحية قرارات تكتيكية مثيرة للجدل، بدءاً من إنكلترا، مروراً بفرنسا والبرازيل، وصولاً إلى الأرجنتين التي تعرضت هي الأخرى لانتقادات رغم بلوغها المباراة النهائية. وبدأت معاناة الإنكليز فعلياً في الدقيقة (55)، عندما منح أنطوني غوردون منتخب بلاده هدف التقدم، وهي اللحظة التي كان يُفترض أن تمنح منتخب «الأسود الثلاثة» أفضلية نفسية وتكتيكية لفرض سيطرتهم على المباراة. إلا أن توخيل اتخذ منحى مختلفاً تماماً، فاختار الانكماش إلى المناطق الخلفية عبر سلسلة من التغييرات الدفاعية، مانحاً الأرجنتين الكرة والمساحات والمبادرة، لتتحول المباراة تدريجياً إلى حصار متواصل على الدفاع الإنكليزي. هذا التحول أجبر القائد هاري كين على الابتعاد كلياً عن منطقة الجزاء، حتى بدا في كثير من فترات اللقاء لاعب وسط مدافع أكثر من كونه رأس حربة وقائداً للهجوم. وانعكس ذلك بوضوح على أرقامه، إذ أنهى المباراة بـ26 لمسة فقط، دون أن يسدد أي كرة على المرمى، مقابل قيامه بـ6 تدخلات دفاعية وتشتيتين للكرة من داخل منطقة جزاء منتخب بلاده، في مشهد اختصر حجم التحول الذي طرأ على شخصية الفريق. ولم تكن لغة الأرقام أقل قسوة من المشهد داخل الملعب، إذ هبطت نسبة استحواذ إنكلترا إلى 36% مقابل 64% للأرجنتين، بينما كشفت الإحصاءات أن المنتخب الإنكليزي لم يحتفظ بالكرة سوى بنسبة 12% فقط خلال الفترة الممتدة بين هدف غوردون وهدف الفوز الذي سجله لاوتارو مارتينيز، وهو رقم يعكس حجم الهيمنة الأرجنتينية بعد التراجع الإنكليزي الكبير. هذا المشهد أثار موجة غضب واسعة في وسائل الإعلام البريطانية، إذ شن أسطورة الكرة الإنكليزية واين روني هجوماً حاداً خلال تحليله الفني عبر شبكة بي بي سي، قائلاً: «لقد تراجعنا بشكل مبالغ فيه واستسلمنا تماماً، هذه الاستراتيجية الانهزامية هي خطيئة توخيل التي تسببت في تصدعنا تماماً في الأوقات القاتلة». وبالمثل، لم يُخفِ المحلل الشهير بول ميرسون صدمته خلال ظهوره عبر شبكة سكاي سبورتس، إذ قال: «أشعر بتحطم تام، لقد دمر توخيل ثقة اللاعبين بتغييراته الدفاعية التي دعت الأرجنتين لافتراسنا». ولم تكن إنكلترا الحالة الوحيدة التي أثارت الجدل خلال البطولة، ففي المعسكر الفرنسي وجد ديدييه ديشان نفسه أمام عاصفة مشابهة، بعدما ودع منتخب «الديوك» المنافسة، قبل أن يتلقى خسارة قاسية أمام إنكلترا في مباراة تحديد المركز الثالث بنتيجة تاريخية بلغت ستة أهداف مقابل أربعة. وأشعلت تلك النتيجة موجة واسعة من الانتقادات في فرنسا، حيث وصفت صحيفة «ليكيب» الأداء التكتيكي لديشان بأنه «العشوائية المطلقة والعجز عن بناء منظومة دفاعية تحمي خط الوسط»، معتبرة أن المنتخب فقد توازنه في أهم مراحل البطولة، ولم يعد يمتلك المنظومة الجماعية التي صنعت نجاحاته في السنوات الماضية. وزاد من حدة الجدل خروج عدد من نجوم الكرة الفرنسية السابقين بانتقادات مباشرة، مؤكدين أن المنتخب أصبح يعتمد بصورة شبه كاملة على الحلول الفردية لكيليان مبابي وعثمان ديمبلي ومايكل أوليسي وديزيريه دوي وبرادلي باركولا، دون وجود منظومة تكتيكية متماسكة تضمن التوازن بين الهجوم والدفاع أو توفر الحماية اللازمة عند التحولات السريعة. أما البرازيل، فقد أعادت إلى الواجهة أزمة قديمة لازمتها في البطولات الكبرى، بعدما أخفق الجهاز الفني مرة أخرى في تجاوز العقدة الأوروبية بالأدوار الإقصائية، رغم امتلاك المنتخب بعض الأسماء اللامعة في الملاعب الأوروبية. ولم يتردد النجم البرازيلي السابق ريفالدو في التعبير عن استياء الجماهير، قائلاً: «إن ما نراه هو سذاجة تكتيكية لا تليق باسم البرازيل. نندفع هجومياً بكثافة غير مدروسة ونترك خط الدفاع معزولاً تماماً أمام المرتدات، والمدرب يتحمل المسؤولية كاملة بسبب سوء إدارة التغييرات والعجز عن قتل رتم المباريات عندما نكون متقدمين في النتيجة». وجسدت هذه الكلمات جانباً من الإحباط الذي صاحب خروج «السيليساو»، بعدما بدا الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب المنتخب البرازيلي عاجزاً عن إيجاد التوازن بين الجودة الهجومية والانضباط الدفاعي، وهي معادلة طالما صنعت أمجاد البرازيل في بطولاتها التاريخية. وحتى المنتخب الأرجنتيني، الذي نجح في بلوغ المباراة النهائية، لم يكن بمنأى عن الانتقادات، إذ وجد مدربه ليونيل سكالوني نفسه في قلب عاصفة من الانتقادات بسبب خياراته التكتيكية، وعلى رأسها النهج الدفاعي المبالغ فيه، وخسارة السيطرة على وسط الملعب، والعجز الهجومي الذي تجسد بعدم تسديد منتخب بلاده أي كرة على المرمى طوال 120 دقيقة. ورغم قسوة الهجوم، رفض سكالوني البحث عن أعذار، معترفاً بأفضلية إسبانيا، ومؤكداً أن التحكيم لم يكن سبب الهزيمة، قبل أن يدافع بشدة عن لاعبيه ويتحمل المسؤولية كاملة، في مشهد بلغ ذروته عندما غلبته دموعه وغادر المؤتمر الصحفي، مجسداً حجم الضغوط النفسية التي يعيشها مدربو المنتخبات في أكبر بطولة كروية في العالم.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓