المشروع العربي بين التحقق والخيال
كَثُر الكلام في الآونة الأخيرة عن المشروع العربي وإذا ما كان قابِلاً للتحقق أم أنه محض خيال، وكِثْرَة الحديث عن هذا الموضوع تجددت مع حرب غزة وحرب إيران الأولى والثانية، وأخيرًا مع تعيين رجل معروف بانتمائه العروبي هو وعائلته السيد نبيل فهمي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، خلفًا للسيد أحمد أبو الغيط. لقد فتح هذا التعيين الكلام مرة أخرى عن الإطار الذي يبحث عنه أصحاب المشاريع القومية العربية، وأن وجود أمين عام للجامعة وهو وزير خارجية سابق وسفير ودبلوماسي محنّك ونجل وزير الخارجية المصري الأسبق المغفور له إسماعيل فهمي المعروف بمواقفه المناهضة للعدو الصهيوني والرافض الشهير لزيارة القدس التي قام بها الرئيس المصري الراحل أنور السادات، قد جاء بردًا وسلامًا على أصحاب هذه المشاريع. هذا التغيير في الأمانة العامة للجامعة العربية هو الذي فتح الباب في رأيي للحديث مجددًا عن المشروع العربي لكي يحظى بالرعاية الواجبة من التجمع الرسمي للدول العربية، والذي قد يحمله السيد نبيل فهمي للقادة حتى يصبح حقيقة واقعة على الأرض، ومشروعًا قابِلاً للتحقق وليس مجرد دخان في الهواء. على أية حال، حتى لو كان المشروع العربي محض خيال في نظر بعض السياسيين المُحبَطين في بلادنا، إلا أنه يُمثِّل الخلاص الوحيد لنا من حالة الضعف والوهن وغِياب الإرادة العربية التي تُعيد الهيبة لمنطقتنا من مشاريع إقليمية ثلاثة هي: المشروع الإيراني، والمشروع التركي، والمشروع الإسرائيلي، إلى جانب مشروعات الدول العظمى في الهيمنة والسيطرة على مُقَدرات المنطقة وعلى رأسها مشروع ترامب الجديد الذي يفتعِل الأزمات، ويُطالِب بالتعويضات، ويهدد بما هو أغلى وأثمن. الواقع الإقليمي والدولي الراهن يتطلب تضامنًا عربيًا، وتعاونًا إقليميًا، ووِحدة في الموقف والقرار، حمايةً للأمن القومي والمصير المشترَك والمخاطر التي تُحدق بنا من كل حدبٍ وكل صوب. نحن نعلم كم هي مشكلات المياه وقضية إدارة «المضايق»، سواء هرمز أو باب المندب أو جبل طارق، جميعها تمر ما بين دول عربية إما مخترقة «باب المندب» وإما مع شريك غير عربي، «جبل طارق» ما بين إسبانيا والمغرب، و«هرمز» ما بين سلطنة عمان وإيران. هذا الوَضْع وَضَع «المضايق» ووَضَع المياه وأهمها نهر النيل المتشاطئة مع تسع دول افريقية بينها دولتان عربيتان تعانيان من سطوة وسيطرة بعض دول المنبع على المياه مثل إثيوبيا «سد النهضة» وآثارها الكارثية على شريان الحياة في مصر والسودان، أو نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من تركيا ويصبان في كل من سورية والعراق يعانيان من انخفاض في المناسيب وزيادة في الهدر، بسبب السدود التي تقيمها تركيا عند المنبع من دون أي احترام لاتفاقيات دولية أو مواثيق أُممية أو معاهدات ثنائية. هنا لابد وأن ينهض المشروع العربي من رقدته، حتى لو مَرَّ بعثرات أو بتجارب تاريخية فاشلة، حيث أن ذلك المشروع لا ينبغي ولا يجب أن يكون مشروعًا للوحدة الكاملة بقدر ما يجب أن يصبح مشروعًا للتعاون أكثر من كونه مشروعًا للاتحاد، مشروعًا للتكامل ووحدة الهدف والموقف، وليس وحدة الوطن التي تذوب فيه القطرية والمناطقية، وتلغي من خلاله خصوصية بلادنا التي نتمتع بها ونخشى عليها من الوحدة الاندماجية مع كائن من كان، حتى لو كان شقيقًا عربيًا قادمًا من قريب أو بعيد. المشروع العربي الـ«لا اندماجي» والذي يبحث عن فن الممكن، هو الذي نتحدث عنه، هو الذي يمكن صياغته بدقة تحفظ حقوق الدول الأعضاء وتحمي خصوصيتها، وتؤكد على عدم المساس بمصالحها القطرية المرتبطة بأنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية لها تاريخ وجودي لا يمكن غض الطرف عنه أو تجاهل مخاوفه أو المساس به. مشروع عربي يغلق الباب تمامًا على هذه المخاوف وأهمها وأخطرها ذلك التعاون الذي لا يجب أن يصل أبدًا لحد الاندماج الذي قد يؤدي إلى زوال الدول الصغرى «المهمة» في كيانات «الدول الكبرى»، وإلى انعدام السيطرة على القطر لصالح وحدة الإقليم. قدرنا أننا أمة مترامية الأطراف، من «الخليج الثائر» إلى «المحيط الهادر»، أمة تمر بعدة بحار وخِلجان وتضاريس وأنهار وجبال، وقوميات لها تاريخ وإن كانت «العربية» هي القومية الجامعة الحاضنة لها، والممتدة من جذورها التاريخية البعيدة إلى حاضرها الراهن «المتردد». مشروع عربي يحافظ على الثوابت القطرية من دون أن يلغي مصالح الأمة، وطن كبير يحتضن أوطانًا صغيرة ويحفظ لها وجودها، ويصونها ويدافع عنها تجاه أطماع مشاريع إقليمية لقوميات «سوء جوار» أخرى، وأخرى جاءت إلينا بأساطيلها كي تُهدد وتَتَوعّد، والله المُنجي.