ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم إسلام سمير

النضج في العلاقات.. من الانبهار إلى بر الأمان

?في بداية أي علاقة عاطفية، نكون جميعاً تحت تأثير حالة من الانبهار الشديد؛ نرى الطرف الآخر كاملاً لا يخطئ، ونظن أن مشاعر الحب والاشتياق وحدها كافية لتستمر الحياة بيننا دون أي مشاكل أو عقبات. لكن مع مرور الوقت والدخول في تفاصيل الحياة اليومية، ومواجهة المسؤوليات والضغوط، تبدأ الطباع الحقيقية في الظهور، وتتساقط تلك الصور المثالية الخيالية التي رسمناها في مخيلتنا. ?وهنا تحديداً نصل إلى أهم مفترق طرق في الرحلة: إما أن نصطدم بالواقع وتنتهي العلاقة بإحباط كبير، أو ننتقل معاً إلى مرحلة أجمل وأعمق بكثير نطلق عليها «النضج في العلاقات». والنضج هنا لا علاقة له بالعمر الزمني، بل يرتبط بمدى وعينا وطريقة تفكيرنا في التعامل مع الشريك. ?أولى علامات هذا النضج هي أن تتقبل شريك حياتك كإنسان طبيعي، له مميزات رائعة وله عيوب وأخطاء أيضاً، وتتوقف تماماً عن رؤيته كشخص مثالي جاء من عالم الأحلام ليحقق لك كل أمنياتك. في العلاقات الناضجة، يتوقف الطرفان عن المحاولات المستمرة لتغيير بعضهما بالقوة أو تفصيل الآخر على مقاس رغباتهم، وبدلاً من ذلك يتعلم كل طرف كيف يستوعب الاختلافات الطبيعية في الشخصية والطباع، ويحترمها. ?الشخص الناضج يفهم جيداً أن الطرف الآخر ليس ساحراً يملك عصا سحرية ليشفيه من جروحه القديمة أو يملأ له فراغ حياته، بل هو شريك يختار بكامل إرادته أن يكمل معه طريق الحياة ويدعمه، مع تحمل كل طرف مسؤولية سعادته ونفسيته أولاً ليقدر على منحها للآخر بحب وارتياح. ?هذا النضج يظهر بوضوح شديد، ويكون بمثابة الاختبار الحقيقي، عند حدوث أي خلاف أو مشكلة يومية بسيطة. في العلاقات غير الناضجة، يتحول أي نقاش سريع إلى معركة كبيرة هدفها إثبات مَن المنتصر ومَن المخطئ، ويبدأ العناد، وتوجيه لغات اللوم القاسية، وأحياناً اللجوء إلى الخصام الطويل الذي يؤذي القلوب ويزيد الفجوة بين الطرفين. ?أما الشركاء الذين وصلوا لمرحلة النضج، فهم يتعاملون مع أي أزمة أو اختلاف كفريق واحد؛ يقفون معاً في مواجهة المشكلة وليس في مواجهة بعضهم البعض. يتحدثون بصراحة شديدة، ويعبرون عن حزنهم بهدوء، ويبحثون دائماً عن حل وسط يرضي الطرفين ويحافظ على كرامة واحترام كل منهما، ليتحول العتاب في قاموسهم إلى خطوة إيجابية تقربهم أكثر ولا تبعدهم. ?من مظاهر النضج الأساسية أيضاً هي القدرة على التوازن بين العطاء والأخذ، وفهم أن العلاقة السوية هي طريق ذو اتجاهين. لا يمكن لطرف واحد أن يستمر في التضحية والتنازل طوال الوقت بينما يكتفي الطرف الآخر بالاستقبال فقط؛ فالنضج يعلمنا أن نجعل العطاء نابعاً من الحب والتقدير المتبادل، حتى لا ينفد مخزون الطاقة العاطفية ونصل إلى مرحلة الاحتراق النفسي والندم. عندما يتواجد التقدير، تصبح أصغر اللفتات اليومية مصدراً للأمان والاستقرار الذي يجعل الشريكين متمسكين ببعضهما مهما كانت الظروف المحيطة بهما صعبة أو معقدة. ?في النهاية، النضج في العلاقات ليس مجرد حظ أو صدفة ننتظرها، بل هو قرار يومي واعٍ بالاحترام والالتزام بحماية هذا الرباط الإنساني. النضج هو السير في الحياة بوعي يفهم أن العلاقة الناجحة والمستمرة تحتاج إلى توازن ذكي بين الأمان والحرية؛ أمان يجعلك واثقاً تماماً في شريكك وفي وجوده بجانبك، ومساحة حرية وثقة تترك له مجالاً كافياً لينمو، ويتطور، ويحقق طموحه الشخصي دون غيرة هادمة أو رغبة في حب الامتلاك والسيطرة. ?عندما نجعل الرحمة، والتفهم، والتقدير المتبادل هم أساس المعاملة اليومية، نضمن بناء علاقة صحية ومستقرة، تتحول معها البيوت إلى مكان حقيقي للراحة والسلام النفسي الذي نبحث عنه جميعاً...

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓