مجلس التعاون الخليجي يحتاج نقلة جديدة
كثرت الأمواج، واشتدت العواصف، وملأ الاغبرار الأجواء، ولكن ظل بيتنا مقاوما كل ذلك، وغيرها من الأحداث والأزمات، لأن البيت يحتاج منا الدفاع عنه والوقوف خلفه، وعدم تركه للأصوات الشاذة او الخزعبلات او الابواق او الحراك العالمي كي يتمكنوا من القضاء عليه بعد كل هذه السنوات من النجاح والتماسك الوحدوي. فمجلس التعاون الخليجي، انشئ ليبقى، وولد ليكبر، عندئذٍ لا يمكننا الرجوع للخلف، او تركه يصارع الأمواج والعواصف وحده، فالحديث عنه، يعني الحديث عن عائلة واحدة وجغرافيا وتاريخ متداخل ومتماسك وعقيدة ولغة واحدة، ومن هنا تمسكنا به يتطلب تجاوز الخلافات البسيطة، لأن البيت اكبر من كل ذلك.! فهذا البيت الذي ظل قويا خلال السنوات الماضية، لا تعصف به الريح فتقوضه، بل تمتحنه فتُظهر أصلَه؛ ومن هنا يزداد صلابة ونبلا وخلقا، بفضل حكمة قادته المؤسسين ومن خلفهم، فهم عازمون على السير بهذا البيت (المجلس) لأعلى مستوى في كل الجوانب، ولكن الأمر يتطلب تعزيز ذلك من خلال الاستثمارات وتقوية الاقتصاد والتسليح والأمن الغذاء والصحة، التي لا يمكن تجاهلها او السير فيها وحيدا. فلا يوجد حاليا في الكرة الأرضية، بلد صغير او منظومة صغيرة، فالعالم يثق ويحترم ويقدر الدول المتماسكة في قدراتها وإمكاناتها وثرواتها، فالنضوج التكاملي هو الذي تطالب به سلطنة عمان لهذا المجلس منذ التأسيس، وأرست وكرست وقتها له منذ سنين، ليكون هذا البيت محصنا وصلبا ومتحدا في مواجهة العواصف السياسية والاقتصادية والمالية والأمراض، فالدبلوماسية الهادئة والمتزنة مؤثرة وتعكس متانة وقوة الدولة، فلا يمكن لهذا البيت الانزلاق لأي حرب او المشاركة في أي اعتداء ضد الآخرين دون سبب.! فالامتصاص السياسي لأي أزمة يتطلب الحكمة والتشاور والشفافية، فالنبض واحد في كل بيت، ولا يمكن لأي بلد أن يساوم على سيادته، فالبيان والبرهان واحد، نحن دولة وكيان واحد من سلطنة عمان الى دولة الكويت، ولن يكون الموقف الخليجي وليد ساعة عارضة في كل أزمة، بل موقف صارم تجاه كل من يحاول العبث بهذا البيت الخليجي او تفتيته من الداخل رويدا رويدا، فمصيرنا واحد.! كما كانت كلمات القادة نبراس حق وقوة لهذا المجلس، ومن أجل ذلك، سيظل المجلس صفا واحدا لا تشقّه التحرضات او الخزعبلات او التصريحات او الشعارات ولا تُربكه الأصوات الشاذة، او التهديدات الخارجية. ولكن هذه المرحلة التي يعيشها هذا المجلس اليوم مختلفة عن كثير من المراحل السابقة، ومن هنا نحتاج لقرارات صائبة وحكيمة، فالتنافس لم يعد يقتصر على استقطاب المستثمرين، بل يمتد إلى بناء بيئة أعمال خليجية ناجحة ومشاريع ومصانع كبيرة ثنائية او سداسية، تجعل من هذا الكيان قوة اقتصادية ومالية. فالعلاقات والشراكات هي مصدر قوة لهذا الدول الست، فالمال يستطيع أن يعبر الحدود في لحظات، أما الثقة، فتحتاج سنوات حتى تُبنى، وهذا ما نريد كسره وقريبا في القمة الخليجية القادمة. فأعظم إنجاز تحقق مصفاة عمانية كويتية، وقطار يربط عمان بالامارات، ومنطقة حرة سعودية عمانية في ولاية عبري، ومنطقة صناعية كبرى عالمية في الدقم لكل الصناعات، وغاز قطري لكل بيت خليجي، ومركز مالي في البحرين، وربط موانئ المملكة بموانئ الخليج برا وبحرا، وإيجاد منطقة زراعية كبرى في المملكة وعمان. ومن هنا فعلينا ان نرسخ مكانة المجلس في كل بيت خليجي، فالتكامل والأدوار والاتفاق الدبلوماسي في مواجهة الأزمة وحلها، والحفاظ على البيت الخليجي من الداخل يتطلب أساسا اقتصاديا واجتماعيا قويا وصلبا والابتعاد عن التنافس والمحاور الخداعة.! فالتوافق والتكامل الخليجي، ركن أساس وعامل مصيري لتأمين النجاح الكامل لهذا البيت، فالمسيرة تتطلب المحافظة على أهداف مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والممر الاقتصادي الخليجي من الكويت لعمان مرورا بدول المجلس عنوان المرحلة القادمة لمواجهة كل التحديات والاحتمالات، فكما نجح المجلس في المحافظة على تماسكه رغم الحروب والأزمات التي شهدتها المنطقة، فعليه اليوم ان يرسم مستقبله بنفسه من خلال الاقتصاد والمشاريع الكبيرة. فالامن والحراك العالمي، يتغير، والمصالح هي التي تسير الأمور، ومن هنا علينا ان نجعل من الخامس والعشرين من مايو 1981 مجرد الانطلاقة الأولى لهذا الصرح الخليجي، وميلاد هذا المجلس، فالامن والاستقرار والرخاء يتطلب حراكا صادقا وشفافا لتعزيز البيئة الاجتماعية والاستثمارية، ويكون هذا البيت قويا على الصعيد العالمي في كل المجالات. نحن حقيقة متلمسين مسببات البطء لهذا المجلس في السنوات الماضية، ومتفهمين ذلك في مراحل عدة، ولكن اليوم نحن واثقون بأن التغيير لا بد منه، فالمستجدات تتزايد حولنا، والحقيقة أن البيت الخليجي يحتاج لترميم وثقة واتفاق وليس اختلافا، فالسياسة لا تُقاس بالاتفاقات وبما تتضمنه من بنود؛ بل بما تخلقه من وقائع جديدة يستفاد منها على ارض الواقع. فكما سقط جدار برلين، فعلينا ان نسقط خلافاتنا ونتركها على الرف، ونقلب الصفحة لبدء مرحلة جديدة من التجانس والتكامل. وهنا تكمن الحقيقة الأعمق «البيت الكبير» وهو مجلس التعاون الخليجي، لنثبت للعالم اجمع أن المجلس أنجح تجربة تكاملية في المنطقة والعالم، ينعم بفضل الله بالأمن والاستقرار والرخاء، ويقف مع اشقائه وأصدقائه في الرخاء والشدة، فالتاريخ سيسطر هذه النتائج ومن قام بعملها وتبنيها، فالمؤسسون رحمة الله عليهم بنوا البيت وحافظوا عليه، وعلى قادة اليوم تكملة البناء وترميم الصفوف وعدم ترك النوافذ مفتوحة للعواصف والرمال للدخول منها، فالقناعة تحتم الحفاظ على سلامة البيت وقرار إنشائه التاريخي، فلم يعد أمن الخليج العربي قضية تخص دولة وحدها، بل أصبح ركيزة من ركائز الاستقرار العالمي، ومن هنا يتطلب من قاداتنا الحكماء الذين يحسنون قراءة التاريخ، ويعرفون الجغرافيا واهميتها، ان يعيدوا رسم خريطة المجلس للتماشي مع ماهو جديد قبل فوات الاوان.. والله من وراء القصد.