تمارا العطية لـ «النهار»: نعيد تقديم الثقافة كضرورة لنهضة المجتمع

لا يمكن قراءة المشهد الثقافي العراقي اليوم بمعزل عن حراكه المستقل الذي يحاول نفض غبار الأزمات المتراكمة، وإعادة الاعتبار للفعل الثقافي بوصفه محركاً أساسياً لنهضة المجتمع وليس مجرد رفاهية عابرة. وفي قلب هذا المخاض، تبرز مؤسسة قنطرة الثقافية في البصرة كعلامة فارقة، نجحت في وقت قياسي في التحول إلى جسر حقيقي يربط بين الأجيال الإبداعية، ويسد الفجوات بين الداخل والخارج. وراء هذا المشروع الطموح، تقف رئيسة المؤسسة تمارا العطية، التي استثمرت خبرتها الطويلة مع المنظمات الدولية لتمكين الهوية المحلية وإطلاق منصة مستدامة تنطلق من رحم المعاناة البصرية لتصل إلى آفاق أشمل. في هذا الحوار الخاص مع النهار، تفتح العطية قلبها لتتحدث عن كواليس التأسيس، ورؤيتها لإعادة سرد قصة البصرة الثقافية بشكل منصف، وكيف تواجه العقبة المالية عبر حلول مبتكرة مثل دوائر قنطرة الإبداعية. كما تشخص بواقعية شديدة أسباب غياب وتراجع حضور المرأة المبدعة في الساحة الأدبية، وتكشف عن طموح المؤسسة للتوسع نحو العاصمة بغداد.. وفيما يلي تفاصيل الحوار: - ما هي الرؤية أو الفجوة الثقافية التي كنتِ تسعين لسدّها عند إطلاق قنطرة؟ - نسعى كمؤسسة محلية تأسست من حاجة حقيقية بأن نوفر المساحة التي تحتفل بالثقافة العراقية وتحديداً ثقافة البصرة. العراق بلد بتاريخ كبير وثقافة غنية ومتنوعة، مر بأزمات كثيرة جعلت من الثقافة رفاهية في اعتبار المجتمع في مرحلة ما. وقد وجدنا أننا اليوم وأكثر من أي وقت مضى نحتاج أن نعيد تقديم الثقافة كضرورة وسبيل مهم لنهضة المجتمع بكل ميادينه المختلفة. - تأسيس منظمة أو مؤسسة ثقافية مستدامة يتطلب جهداً كبيراً كيف تبلورت هذه الخطوة على أرض الواقع؟ - كنت أود أن أؤسس مؤسسة منذ وقت طويل. عملت لفترة طويلة مع مؤسسات دولية في مجال الثقافة والتراث وفي كل مرة كنت أود أن أضيف على مشاريع المؤسسات الدولية صبغة محلية أكبر، إيماناً مني بأن شريطة نجاح المشروع الثقافي هي بكونه منبثق من حاجة محلية. فمن هذا المنطلق، وبمساعدة هذه الخبرة، مع الخبرة المحلية البديهية، والعلاقات الطيبة التي تربطنا مع الأفراد والمؤسسات في البصرة والعراق، وجدت أن الوقت هو الأنسب لإطلاق مشروع قنطرة. سجلت المؤسسة كمنظمة غير حكومية في دائرة المنظمات التابعة لرئاسة الوزراء في العراق، وكانت عملية التسجيل بسيطة بالنسبة لنا لأن الرؤية والأهداف والمهمة كانت واضحة وقد عملنا بها لفترة قبل التسجيل. - كيف استطاعت قنطرة خلق مساحات جديدة لاستضافة الكُتّاب والمثقفين؟ - اعتقد أن الأمر يتعلق بكوننا كفريق قنطرة متواجدين ضمن الحلقة الثقافية في المدينة وتربطنا علاقات واسعة وحقيقية مع الكثير من الشريحة المثقفة باختلافها. هذا الأمر أعطانا وضوح الرؤية ومعرفة الحاجات التي يحتاجها الوسط الثقافي ونقاط القوة التي نمتلكها، بما في ذلك الأسماء المهمة من الكتاب والوسط الثقافي. والجميل أن الوسط استقبل هذه الدعوات بكل ترحيب ودعم كبيران إيماناً منهم بأننا جميعاً بحاجة لعمل مؤسساتي أكثر ضمن ميادين الثقافة في المدينة والمجتمع. - هل نجحت المؤسسة في أن تكون قنطرة بين جيل الرواد والجيل الإبداعي الشاب؟ - هذه واحدة من أهداف قنطرة الأساسية، أن نكون قنطرة ما بين الأجيال في الوسط الإبداعي، إضافة لأن نكون جسراً بين الجهات العملية الحكومية والخاصة والدولية، وهذا على نطاق عملي أكثر، مع هدف أن نكون قنطرة بين العراق والعالم لتمثيل أكثر إنصافاً للثقافة العراقية. وجدنا من خلال عملنا في المجال الثقافي أن هنالك شرخ كبير بين الأجيال في الأوساط الإبداعية. وبذلك فقد وضعنا هذا كهدف واضح امامنا في ما نقوم به. وأعتقد رؤية جمهور قنطرة من الجيل الواعد في أغلب النشاطات التي تستضيف ضيفاً من الرواد هو مؤشر جيد لبلوغ هذا الهدف. - نجحت قنطرة في أن تكون محطة بارزة لاستضافة الكُتّاب والمثقفين من داخل وخارج البصرة ما المعايير التي تعتمدونها في اختيار الأسماء؟ - هنالك معايير مهمة ومتنوعة، منها المنجز الإبداعي الحقيقي، والانفتاح على التواصل وقابلية إيصال التجربة الإبداعية للمجتمع والجمهور وخاصة من الشباب، إضافة لتدشين مساحات جديدة، سواء كانت كأسماء أم مشاريع فنية مختلفة أم بعيدة جغرافياً مع أهمية أن تكون ذات إضافة محتملة على المشهد الفني والثقافي في المدنية. - الرؤية المستقبلية والتوسعية لمؤسسة قنطرة .. هل سنرى امتداداً لمبادراتها خارج حدود البصرة؟ - نأمل ذلك، وهدفنا القادم هو بغداد. بغداد لها نقاط قوة أكبر ووسط ثقافي أوسع وجمهور أكبر، لكن تحدياتها تختلف نسبياً عن البصرة. نود أن نجرب ثيمات فنية وثقافية مختلفة وتناسب أكثر جمهور أكبر وأكثر تنوعاً وهذا ما توفره بغداد. نحن منفتحون أيضاً على إقامة فعاليات ثقافية وفنية في مدن أخرى ايضاً. كل ذلك يعتمد على تطور عمل المؤسسة داخلياً في هيكليتها ونظمها وفريقها والدعم اللازم لهذا التطور. - ما هو الأثر الذي تلمسينه اليوم في الوسط الثقافي؟ - أعتقد أن المؤسسة بدأت تشق اسمها بخطوات هادئة وبنَّاءة، وهذا النسق الذي أحب أن أعمل به. قنطرة هي ليست مشروعاً آنياً وسريعاً وزائلاً، بل هي مشروع عمر يبقى لأجيال وأجيال بإذن الله، هذا ما أردده لفريق المؤسسة وفريق المتطوعين، قنطرة هي مشروع الجميع والذي سيبقى للجميع. - هل استطعتِ التغلب على العقبات لاستدامة مشاريعكِ الثقافية؟ - العقبات كثيرة في الوسط الثقافي، لكن المؤسسة تحظى بدعم جميل من قبل الأفراد والمؤسسات وبذلك فأن أغلب هذه الصعوبات تذلل بهذا الدعم. رغم ذلك، هنالك عقبات أخرى أكبر من هذا الدعم المنطلق من الحب الفطري، وتحتاج دعم من مختلف، وبالتأكيد، كما هي أغلب المشاريع الثقافية، فإن عقبة الدعم المالي لإقامة المشاريع هي الأكبر. في قنطرة نحاول دائماً أن نجد الحلول بدلاً من أن نندب المسببات ونستغرق بذلك. لذلك وضعنا هدفنا القادم هو تحقيق الاستدامة المالية للمؤسسة من خلال تقديم خدمات ثقافية وفنية ضمن اختصاصنا للمجتمع الداعم مقابل أجور بسيطة. أجد أن هذا النهج سيحول دعم المجتمع لمصادر قادرة على تحقيق استمرارية المؤسسة وديمومتها. أسسنا من هذا المنطلق مبادرة دوائر قنطرة الإبداعية وهي مجموعة نوادٍ للمجتمعات الإبداعية. أطلقنا نادي القراءة وقد لاقى ترحيباً وتفاعلاً جميلاً، والآن نحن بصدد إطلاق نادي الفن. كل نشاطات هذه النوادي هي نشاطات مدفوعة بنظام التذاكر. نقوم بتجربة هذه المبادرة كأولى مشاريعنا المستدامة. - كيف ترين واقع المشهد الثقافي البصري الحالي مقارنة بإرثه القديم؟ وهل استعاد عافيته الثقافية؟ - إرث البصرة وتاريخها كبيران ومشهد اليوم غير منصف أبداً. هذه حقيقة هي واحدة من نقاط التشجيع لدينا في قنطرة، وهي أن نعيد سرد قصة البصرة بشكل منصف أكثر لها. - كانت لكِ مشاركات وبودكاست تعنى بالنساء في الوسط الإبداعي .. كيف تقيمين حضور المرأة اليوم في المشهد الثقافي والأدبي؟ - حضور فقير وذلك لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة لظروف صعبة مرت بها المدينة والبلد لفترات طويلة. المرأة المبدعة موجودة في كل مكان لكن ظروف المجتمع تحول دون مشاركتها ووجودها. - أبرز العقبات التي ما زالت تواجه الكاتبة والمثقفة العراقية لفرض اسمها؟ - تحتاج المرأة المبدعة أن تتواجد أكثر من خلال توفير منصات أكثر وأكثر أماناً لها. وهنا انا لا أتكلم عن الأمان بمفهومه المباشر، بل بمعنى أن تكون البيئة داعمة للمرأة بشكل يناسب اختلاف احتياجاتها بصورة عامة. المساحات الثقافية تكتظ بالرجال وذلك يجعل من وجود المرأة المثقفة والمبدعة هناك أمراً صعباً. التواجد في المساحات الثقافية والمشاركة بالحوار الثقافي والفني هو أمر مهم لنضج التجربة الإبداعية للمرأة وهذا ما نفتقده فعلاً.
لا يمكن قراءة المشهد الثقافي العراقي اليوم بمعزل عن حراكه المستقل الذي يحاول نفض غبار الأزمات المتراكمة، وإعادة الاعتبار للفعل الثقافي بوصفه محركاً أساسياً لنهضة المجتمع وليس مجرد رفاهية عابرة. وفي قلب هذا المخاض، تبرز م
الحدث: حوار صحفي مع تمارا العطية حول أنشطة ورؤية مؤسسة قنطرة الثقافية في البصرة.