ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم سامي عبدالمحسن الرويشد

القرار الذي لا يراه أحد

في إحدى بيئات العمل، دخل موظف إلى مكتبه كعادته، ولم يلحظ أحد أن شيئًا مختلفًا قد حدث. لم يقدّم استقالته، ولم يحصل على ترقية، ولم يغيّر وظيفته. لكنه في ذلك الصباح اتخذ قرارًا داخليًا ألا يُحمّل الآخرين مسؤولية أخطائه بعد اليوم. لم يسمع أحد ذلك القرار، ولم يُكتب في محضر اجتماع، لكنه كان بداية تحول حقيقي في طريقه المهني. وبعد أشهر، لم يكن أكثر الموظفين حديثًا، لكنه أصبح أكثرهم اعتمادًا. اعتدنا أن نربط القرارات بالأحداث الكبيرة؛ بوظيفة جديدة، أو مشروع مختلف، أو انتقال إلى مرحلة أخرى من الحياة. لذلك تمر علينا القرارات الهادئة دون أن ننتبه إليها، مع أنها في كثير من الأحيان تكون الأكثر تأثيرًا. فالقرار الذي يُتخذ داخل الإنسان يسبق غالبًا القرار الذي يراه الناس خارجه، لأنه يغيّر طريقة التفكير قبل أن يغيّر السلوك. ولهذا نرى أشخاصًا تتغير حياتهم تدريجيًا دون أن يستطيع من حولهم تحديد اللحظة التي بدأ فيها هذا التغيير. والسبب أن التحول الحقيقي لا يبدأ عندما تتغير الظروف، بل عندما تتغير طريقة التعامل معها. فقد يظل المكان كما هو، والعمل كما هو، والأشخاص أنفسهم، لكن الإنسان يقرر أن يكون أكثر انضباطًا، أو أكثر صبرًا، أو أكثر صدقًا مع نفسه، فتبدأ النتائج في التغير بهدوء. وفي المؤسسات أيضًا، لا تنطلق مسيرة التطوير دائمًا من مشروع ضخم أو ميزانية كبيرة، بل قد تبدأ من قرار صغير يتخذه مسؤول بأن يستمع قبل أن يحكم، أو موظف بأن ينجز عمله كما لو كان يمثله شخصيًا، أو فريق يقرر أن يناقش المشكلات بدلًا من تبادل اللوم. تبدو هذه القرارات عادية في يومها الأول، لكنها مع الزمن تصنع ثقافة جديدة يصعب تجاهلها. ما فهمته أن القرارات التي تغيّر الحياة ليست بالضرورة تلك التي يصفق لها الناس، بل تلك التي يلتزم بها صاحبها عندما لا يراه أحد. فهناك قرارات تُعلن، وهناك قرارات تُعاش، وغالبًا ما تكون الثانية أكثر أثرًا وأطول عمرًا؛ لأنها لا تبحث عن التصفيق، بل عن التغيير الحقيقي. لذلك، إذا أردت أن تعرف أين يبدأ التغيير الحقيقي، فلا تبحث عن القرار الذي سمع به الجميع، بل عن القرار الذي لم يسمع به أحد. فذلك القرار الصامت قد لا يلفت الأنظار في يومه الأول، لكنه قد يكتب القصة التي يراها الجميع بعد سنوات.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓