ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharإضاءات بقلم طلعت قديح

من غزة إلى سعاد الصباح.. مع التحية

من غزة إلى سعاد الصباح.. مع التحية

كثيرون هم الأدباء الذين كتبوا لفلسطين وأهلها، وباتوا يتغنون بالأشعار والكلمات حرصا منهم على إيقاظ حروفهم كي لا يقال أنهم نسوا فلسطين، ومن تلك الكثرة قلة؛ رصعوا كلماتهم بفعلهم وقولهم المؤثر، وحتى لا يقال إن هناك من تعبوا في حروفهم ودعمهم المادي والمعنوي، فكان من هؤلاء الدكتورة الشاعرة سعاد الصباح. حكاية اسمها فلسطين أينما كان مبتدأ الحرف هو الحب؛ اعلم أن المداد لا يُحصى، ولا زمن له، أن تغار النساء من النساء، فتلك غريزة أنثوية، وأمر معتاد فلغيرة النسوان فعل الخنجر، فكيف بالأمكنة! كانت فلسطين كلمة السر التي توطنت قلب حبيبة عبدالله المبارك الصباح، هذا الاسم الذي عرفته في طفولتي وصبايَ قبل أن يأتي قدر مباغت اسمه 2 أغسطس عام 90، يومها خرجنا كفلسطينيين هربا من الحرب، وأشياء أخرى. سعاد وفلسطين حين أتأمل الاسمين، أتساءل: هل كانت السين رئة التنفس المشتركة بين المفردين! أكانت السين تلك السماء التي يتخفف من الأثقال، كي يحلق عاليا بعيدا عن الرسميات. اللافت في الذكرى الخصبة أن الشاعرة سعاد الصباح أصدرت ديوان شعر لها بعنوان من عمري وخصصت ريعه لصندوق الثورة الفلسطينية، أكان مقصودا أن تهب من عمرها عمرا لفلسطين! إنني ككاتب أؤمن أن الأسماء حين تولد مع حديثي الولادة؛ تقودهم لمسار خفي لتحقيق نضارة الاسم، وهنا يأتي اسم سعاد كمفردة لغوية تدل على اليمن والبركة، ومن العجيب أن دلالتها أنها نبتة صحراوية لها رائحة طيبة، ليؤكد على تراثية الاسم وأصالته والممارسة الحقيقية له. لقد اعتمدت سعاد الصباح في جوهر كينونتها فهم الصراع العربي الإسرائيلي إلى تأثير الفعل في العمل الفدائي حيث تقول في كتابها اغضبي أيتها الأرض: (سنوات ونحن نحارب إسرائيل بالمسيرات والتظاهرات والبيانات والإذاعات والتلفزيونات.. لذلك كانت إسرائيل تنتصر.. لأن الدبابات الإسرائيلية لا تجد أمامها سوى أكوام من الجرائد اليومية.. وقصائد الحماس العربية.. تمشي عليها بغير اكتراث ولم يحدث في تاريخ الحروب أن خطابا.. أو تعليقا صحافيا.. أو إذاعيا.. استطاع أن يفجر مجنزرة، أو حافلة جنود بكل مافيها.. فالدبابات لا تحسب حسابا للإذاعات، أو المؤتمرات الصحافية. أما اليوم فلقد حدث انقلاب خطير في الإعلام العربي.. فقد نسف الفدائيون في جنوب لبنان كل قواعد الإعلام العربي القديم، وحولوه من إعلام ورقي.. إلى إعلام مكتوب بالدم والنار.. من أجل هذا.. أصبح العالم يقرؤنا.. ويسمعنا.. ويحترم إعلامنا). إذاً؛ هي الواقعية الثورية التي تمخض عنها خطاب سعاد الصباح، بإنتاج إعلام حقيقي قوي، يصول ويجول معلنا أنه في المعادلة السياسية أنه ليس أقل من الخصم، من هنا نتبين عمق الفهم الاستراتيجي للصراع، بل نتبين الحرص العميق على الأخذ بالاعتبار الأحداث الأولية للصراع مع العدو من جذوره وهي معركة الوعي. من خلال كتاباتها الثورية والأسلوب الموازن للأحداث، كان قلم سعاد الصباح قلما لوجستيا في مواجهة الرواية الصهيونية، قبل أن يُخترع وصفة الرواية الإسرائيلية في الكتابات المتأخرة. كانت تعلم أن الإنسان أيا كان موقعه فهو لا ينفصل عن قضاياه المصيرية، حين رسخت معركة الوعي بمداد الحرف، وليس سهلا أن تتبنى قضية كقضية فلسطين، وتظل على مسار فوهة مواجهة لا تهدأ. أهناك أحد تهمه فلسطين لم يسمع سيمفونية الأرض تلك السيمفونية التي قلبت الوجع ووخزته في حبر، كي يكون أول سطر فيها (تلك سيمفونية الأرض العظيمة). ومثلما كتب الإعلام في لبنان وعيه بالدم والنار، كان الوعي حاضرا في الانتفاضة الفلسطينية في مقال لها (المواجهة.. الانتفاضة هي الحل). إنه شعار يختزل المفهوم الأيدلوجي لصاحبه، والروح الارتكازية الحقيقية لمستوى الحدث. لم تؤدلج سعاد الصباح شعارها بالنمط الديني المتعارف عليه، والذي تشوبه الكثير من الانتقاصات والشبهات، وبهذا الوعي أدارت بوصلتها نحو اتجاه واضح ومباشر على كل المشارب والمسارات إلى هدف واحد يصل للحل. الإعداد اللوجستي لفلسطين يقول الله تعالى: وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم...، وفي التأمل الخطابي -خاصة الخطاب الإلهي- التفضيل يأتي تباعا، فجاء الجهاد بالمال استجابة حقيقية لمتطلب الإعداد للجهاد بالنفس، هكذا فهمت سعاد الصباح هذا التوجيه الرباني، فمنحت من المال للقضية الفلسطينية بنتاج محكم ومصوب إلى مجالات تُحدث أثرا كبيرا في المشهد العربي ضمن اختصاص المحيط الفلسطيني الذي لم تبخل عليه طيلة مسيرتها. تقول سعاد الصباح: كلما مر ببالي عرب اليوم بكيت كلما فكرت بحال قريش بعد أن مات رسول الله خانتني دموعي وبكيت كلما حدقت في خارطة اليوم وفي خارطة الأمس بكيت كلما أبصرت صلاح الدين يستجدي فتات الخبز بالقدس ويستعطي على باب السيوف العربية بكيت كلما شاهدته في مركز البوليس مرميا على الحائط دون هوية بكيت. وأنا أقرأ تواريخ مقالات سعاد الصباح وأشعارها ونثرها؛ يصرخ قلبي: كنت هناك.. كنت هناك! فهي تواريخ كنت فيها مقيما في الكويت منذ بداية الثمانينات حتى الغزو العراقي للكويت، توقف الزمن لأسترجع شريط الذاكرة في حياة طيبة وطنا وشعبا وحكومة وهواء وثقافة وفنا. لقد كانت الكويت بلدا حاملا لمشاعل حقيقية للحياة، كحرارتها اللاسعة، تحدثنا سعاد الصباح عن يحيى الفلسطيني الذي أشعل ثورة شعب حي بحجر عام 1987، مانحة لنا توصيفا دقيقا عن هيئة هذا الطفل البطل يحيى: الانتفاضة الفلسطينية.. هي يحيى الذي طالما انتظرناه.. بعدما كنا نشك في قدرتنا على الانجاب.. يحيى هذا.. لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب.. يحيى الفلسطيني.. ولد من تراب الشوارع في غزة ونابلس.. ورام الله، وفي البيرة ودقن في تراب الشوارع. لم تترك سعاد الصباح كرباجا إلا ولوحت به، لتوقظ قط النهار النائم في ذواتنا، فتقول عن الانتفاضة الفلسطينية: - هي الكرباج الذي لسع ظهورنا.. فانتصبنا واقفين. - هي إبرة الفيتامينات التي أدخلوها في جسدنا.. فأعات إلينا دورتنا اليومية.. وصار تنفسا طبيعيا.. وإحساسنا القومي طبيعيا. وضمن هذا المقطع أتساءل: هل كانت سعاد الصباح تتحدث عن انتفاضة 1987 أم هجوم 7 أكتوبر 2023! هل كان هذا البركان نائما أم أنه ظل متأهبا متواترا في ديمومته ضمن حركة تحرر وطني فلسطيني! تقول سعاد الصباح في قصيدة سيمفونية الأرض: ها هي الأخبار تأتي.. كالفراشات إلينا خبرا.. بعد خبر.. حجرا.. بعد حجر فعلى أجفاننا قمح، ودفلى، وورود ها هم أولادنا يضعون الشمس في أكياسهم يبدعون الزمن الآتي... يصيدون الرعود... ويثورون على ميراث عاد...وثمود ها هم أكبادنا... يقتلون الزمن العبري... يرمون الوصايا العشر للنار... ويلغون أساطير اليهود... إن هذا المقطع الهادر والحبر الهادف يضع أعيننا أمام فوهات مدارات فكرية: 1 - اختيار مفردة الفراشات وكاف التشبيه يدل على نوعية الأخبار المرشحة للتداول فهي أخبار تتقافز من هنا وهناك، وتتلقفها الأسماع، وهي ليست ذات نمط واحد، تماما كمدن فلسطين من الشمال للجنوب. 2 - خبر بعد خبر.. وكأن المنظومة الإعلامية لأي مواجهة هي منظومة فعاليات متتالية حسابية، تنضج تباعا، كلما علا صوت لخبر، فيكون الرد عليه بخبر منافس من اسم مخيم أو مدينة تقارع الاحتلال. 3 - الدلالة النقدية في قولها فعلى أجفاننا قمح ولّاد للخبر، فكأن السهر أصبح قمح المواطن العربي لمواكبة أحداث فلسطين. 4 - يضعون الشمس في أكياسهم وهنا يتوقف الزمن، ويتوقف الموقف تبعا للزمن والفعل الفلسطينيين بتوقيت بوصلة فلسطين. 5 - يقتلون الزمن العربي يرمون الوصايا العشر للنار ويلغون أساطير اليهود. هذا المقطع يدخل ليفتت مصطلح يهودية الدولة، فعلهم كان الأقرب حيث الهدوء في فلسطين، فما إن حدث الاشتباك حتى زاد القتل والارهاب في صفوف أهل الأرض، ولذا قالت يرمون الوصايا العشر للنار لأن أهم وصاياهم لا تقتل وبالتالي فإن التراكم الفعلي في عدم التقيد بالوصايا العشر، يكشف مسار إلغاء أساطيرهم، هو اقتراب طردي للمفهوم العام للمواجهة بين الحق والباطل. في رحاب شعر ونثر سعاد الصباح. وجدير الذكر في تجربة سعاد الصباح أنها تجربة أصيلة، لم تكن مجرد رد فعل لفعل أو منطلقا ثوريا مؤقتا، بل هي مسيرة فكرية وثورية متضامنة تعاظمت مع رسوخها الفكري بحق الشعب الفلسطيني في الحياة الكريمة، لهذا نرى أن بواكير شعرها كان في أوائل السبعينات بقصيدة أم الشهيد، ففي مقطع أولي تقول: رأيتها ملتفة بالسواد في وجهها ملحمة من حداد مقروحة الجفن على فلذة من كبدها الحرى طواها الرماد تشكو إلى الله جراحاتها بآهة تخلع قلب الجماد في ليلة العيد تهاوى ابنها مستشهدا في.... الجهاد هذا الوضوح التام لمفهوم التضحية بالنفس لسعاد الصباح وهو (الجهاد، وكثيرا ما أراد البعض استخدام لفظ أخف وطأة من الطرح الديني كقولهم نضال أو تحرر، إلا أنها تعي أن الجهاد في ميزان الإسلام يعني ما يعنيه، حتى وإن تفرع في خضم المعركة مع العدو. في قصيدة إن جسمي قصيدة تشرب من بحر العرب ضمن ديوان فتافيت امرأة 1984، يقرع عمق الانتماء العربي الأصيل في مقاطع لا تهادن أو توارب، وقد ألقت هذه القصيدة في مناسبات عدة نصرة للقضية الفلسطينية ومنها 2020 تنديدا بصفقة القرن اغضبي.. أيتها الأرض التي نامت طويلا في فراش من ذهب اغضبي أيتها الأرض.. أيتها الأرض التي تشرب بترولا.. وتبني عرشها فوق الخطب اغضبي أيتها الأرض التي أسكرها المال وأعماها البطر.. إنني أرفض أن أعتبر النفط قدر فأنا لا أعبد النار.. ولا أرمي بأطفالي طعاما للهب يا بلادي.. طلعت قديح شاعر وناقد من قطاع غزة. - عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين. - عضو المكتب الحركي للكتاب والأدباء الفلسطينيين. - شارك في الكثير من الأمسيات والندوات الثقافية والأدبية. - ينشر في العديد من المواقع الالكترونية. - أصدر 3 كتب: 1 - ركوة حرف نقد نشر مكتبة كل شيء حيفا. 2 - في محراب أحمد نقد نشر المكتبة العربية للنشر والتوزيع. 3 - أثر من سرادق الجن شعر.

ملخّص قياس

كثيرون هم الأدباء الذين كتبوا لفلسطين وأهلها، وباتوا يتغنون بالأشعار والكلمات حرصا منهم على إيقاظ حروفهم كي لا يقال أنهم نسوا فلسطين، ومن تلك الكثرة قلة؛ رصعوا كلماتهم بفعلهم وقولهم المؤثر، وحتى لا يقال إن هناك من تعبوا

الحدث: استعراض المواقف الأدبية والمادية لسعاد الصباح تجاه فلسطين

أشخاص:سعاد الصباحصلاح الدينطلعت قديحلسعاد الصباحجهات:الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيينالمكتب الحركي للكتاب والأدباء الفلسطينيينالمكتبة العربية للنشر والتوزيعمكتبة كل شيء حيفا
آخر الأخبار المصدر الأصليّ أهم أخبار الكويت اليوم
تم نسخ الرابط ✓