ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
kunaأخبار عامة

أزمة السكن في إسبانيا تشعل احتجاجات مفتوحة في قلب مدريد

أزمة السكن في إسبانيا تشعل احتجاجات مفتوحة في قلب مدريد

من هنادي وطفة (تقرير) مدريد - 28 - 9 (كونا) -- تحولت ساحة (بويرتا ديل سول) في قلب العاصمة الإسبانية (مدريد) إلى مخيم احتجاجي مفتوح للمطالبة بإجراءات عاجلة لمعالجة أزمة السكن في تحرك أعاد إلى الساحة نفسها مشاهد الاحتجاج التي طبعت إسبانيا قبل 15 عاما مع حركة (مايو 15) التي ساهمت في إعادة تشكيل المشهد السياسي الإسباني. وجاء الاعتصام بصورة عفوية بعد مظاهرة حاشدة احتجاجا على إخلاء ماريا كارمن أباسكال البالغة 87 عاما من منزل عاشت فيه أكثر من سبعة عقود لعجزها عن سداد الإيجار لتصبح قضيتها رمزا للاحتجاجات الحالية على أزمة السكن. وبدأت عملية التخييم مساء أمس الأول السبت عندما قرر نحو 300 شخص من المشاركين في المظاهرة البقاء في الساحة ونصب الخيام قبل أن يتسع المخيم أمس الأحد ويأخذ شكل مساحة احتجاجية منظمة تضم أماكن لتوزيع الطعام والماء وعقد الاجتماعات والفعاليات التضامنية ما دفع بعض وسائل الاعلام المحلية إلى وصفها بـ "مدينة مؤقتة". ويطالب المعتصمون الحكومة بإقرار ما أطلقوا عليه (مرسوم ماريا كارمن) ويتضمن عقود إيجار غير محددة المدة وتعليق عمليات الإخلاء عندما لا يتوافر بديل سكني وتشديد الرقابة على العقود الموسمية إضافة إلى اتخاذ إجراءات للحد من ارتفاع الإيجارات. من جانبه قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على حسابه الرسمي على منصة (إكس) إن قضية ماريا كارمن تمثل "مأساة اجتماعية" فيما أكد أن حكومته تعمل "على مدار الساعة" لإقرار مرسوم سكن جديد غدا الثلاثاء. لكن خلف هذا المشهد السياسي والاجتماعي المباشر توجد قصة أكبر بكثير من قضية إخلاء واحدة أو ارتفاع الإيجارات فأزمة السكن في إسبانيا تبدو أقرب إلى رأس جبل الجليد لأزمة أوسع تتعلق بتكلفة الحياة والقدرة الشرائية. وتكشف أرقام المعهد الوطني الإسباني للإحصاء حجم التغير الذي طرأ على الحياة اليومية خلال العقد الأخير حيث ارتفع المستوى العام للأسعار في إسبانيا بنحو 27 بالمئة بين يناير 2015 ويناير 2025 فيما بلغ التضخم السنوي 3ر4 في المئة في أغسطس الماضي وهي أعلى قراءة منذ فبراير 2023. كذلك تشير دراسة للمعهد نشرت في السابع من سبتمبر الجاري إلى ارتفاع مؤشر أسعار المنازل في الربع الثاني من العام الجاري بنسبة 2ر12 في المئة على أساس سنوي وبنسبة 4ر3 في المئة مقارنة بالربع الأول من العام الجاري. أما سوق الإيجار فيكشف ضغوطا أكثر تركيزا حيث تشير أحدث بيانات رسمية نشرها المعهد في مايو الماضي إلى ارتفاع مؤشر أسعار المساكن المؤجرة بين 2015 و2024 بنسبة 6ر22 في المئة في (مدريد) و 4ر36 في المئة في (فالنسيا) و 7ر32 في المئة في (ملقا) فيما ارتفع بنسبة 6ر24 في المئة في (برشلونة). من جانبها ووفق منصات العقارات الرائدة في إسبانيا وبينها (إدياليستا) فإن أسعار الإيجار شهدت نموا مستمرا ومتسارعا بين عامي 2015 و 2026 محققة ارتفاعا بنسبة تزيد عن 100 في المئة مع بلوغها مستويات قياسية في عامي 2025 و 2026. وذكرت (إدياليستا) في دراسة نشرتها أغسطس الماضي أن متوسط السعر على المستوى الوطني بلغ سبعة يوروهات للمتر المربع الواحد شهريا في عام 2015 بينما استقر متوسط تكلفة الايجار بحلول شهر أغسطس 2026 عند 1ر15 يورو للمتر المربع شهريا أي ان استئجار منزل في إسبانيا يكلف اليوم أكثر من ضعف ما كان عليه الحال قبل عقد. وتعود جذور الأزمة وفق بنك إسبانيا في تقريره السنوي لعام 2025 إلى اختلال متزايد بين الطلب والعرض ولا سيما في المدن الكبرى والمناطق السياحية إضافة إلى النمو السكاني ومحدودية مخزون الإسكان الاجتماعي واستخدام بعض المساكن للإيجار السياحي أو الموسمي. وأشار البنك إلى ان شدة المشكلة تظهر في ان 5ر32 في المئة من الأسر المستأجرة في إسبانيا أنفقت في عام 2024 أكثر من 30 بالمئة من دخلها الصافي على الإيجار مع ارتفاع تلك النسبة إلى 3ر41 في المئة في (مدريد). لكن تفسير الأزمة بنقص العرض وحده لا يكفي وهنا تلتقي أزمة السكن بأزمة المعيشة فالنسبة لشريحة متزايدة من السكان لم يعد العمل يضمن بالسهولة نفسها القدرة على السكن والادخار والاستقلال وتكوين أسرة والبقاء في المدينة التي توجد فيها الوظيفة. وعلى الرغم من ارتفاع متوسط الأجور الرسمية في إسبانيا خلال العقد الأخير لكن ذلك لم ينعكس على زيادة مماثلة في القدرة الشرائية لتزامنه مع ارتفاع كبير في مؤشر الأسعار وارتفاع الأعباء والايرادات الضريبية. وتظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء ان 7ر25 في المئة من السكان معرضون لخطر الفقر أو الاستبعاد الاجتماعي وان ثمانية في المئة من السكان يعانون من حرمان مادي واجتماعي شديد بينما لا يستطيع 5ر8 في المئة الوصول إلى نهاية الشهر إلا بصعوبات كبيرة. ويعيد اعتصام اليوم إلى الأذهان اعتصاما في الساحة نفسها قبل 15 عاما ونشوء حركة (15 مايو) في أعقاب الأزمة المالية والبطالة والتقشف وفقدان الثقة في المؤسسات السياسية وهو ما مهد بعد سنوات قليلة لظهور حزب (بوديموس) الذي تأسس عام 2014 وأصبح لاحقا قوة رئيسة في إعادة تشكيل النظام الحزبي الإسباني. وإن كانت احتجاجات 2011 قد عبرت في جوهرها عن جيل يطالب بعمل ونظام اقتصادي يتيحان له مستقبلا أكثر عدلا فإن احتجاجات اليوم تعكس مطلبا أكثر يومية وإلحاحا وهو ان يكون بالإمكان ضمان منزل وتأمين حياة يمكن تحمل تكلفتها. ولهذا فإن قرارات الحكومة المقبلة ستكون أكثر من مجرد قرارات بشأن مراسيم جديدة لتكون اختبارا لقدرة المؤسسات على الاستجابة لضغط اجتماعي متزايد يمتد إلى أزمة أوسع في السكن وارتفاع كلفة المعيشة. (النهاية) ه ن د / ن ع ع

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓