تسطح عوائد عامين و10 سنوات للسندات الأميركي يزيد احتمال «انقلاب المنحنى»

تقترب سوق السندات من إعطاء إشارة إلى أن سلسلة من زيادات أسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي ستبدأ في تغيير مسار النقاش نحو خطر تعثر الاقتصاد الأميركي.
وقد تقلص العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بسندات الخزانة لأجل 10 سنوات مقارنة بالسندات لأجل عامين إلى 17 نقطة أساس فقط الأسبوع الماضي، وهي أضيق فجوة منذ أوائل 2025، وفقاً لبلومبرغ الشرق.
وهذا ما يُعرف باسم تسطح منحنى العائد، ويزيد من احتمال أن يصبح عائد السندات لأجل 10 سنوات قريباً أقل من عوائد آجال الاستحقاق الأقصر، وهي ظاهرة تحظى بمتابعة وثيقة تُعرف باسم انقلاب منحنى العائد.
وقد قدم منحنى العائد المقلوب تاريخياً إشارة قوية، إذ سبق كل واحدة من فترات الركود الثماني الأخيرة التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي، رغم أن قدرته التنبؤية أثبتت عدم دقتها في وقت سابق من هذا العقد.
وهو في جوهره طريقة مستثمري السندات لإظهار أنهم يرون الاحتياطي الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة إلى مستويات عالية بما يكفي لعرقلة الاقتصاد في سعيه لكبح التضخم. وستكون لمثل هذه النتيجة تداعيات واسعة عبر الأسواق المالية، ولا سيما على الأسهم التي يجري تداولها قرب مستويات قياسية.
وهذا سيناريو يستعد له مزيد من المستثمرين بعدما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة هذا الشهر للمرة الأولى منذ 3 سنوات وأشار إلى أن زيادات إضافية مرجحة. كما يبرز كيف يغير الاحتياطي الفيدرالي، بسياسته المتشددة، ميزان المخاطر بعد موجة بيع في السندات عكست تصاعد ضغوط الأسعار على خلفية نمو قوي.
وقال زاك غريفيث، رئيس استراتيجية الدرجة الاستثمارية والاقتصاد الكلي في شركة الأبحاث «كريديت سايتس» (CreditSights) إن «رؤية منحنى العامين و10 سنوات ينقلب أو يتسطح بشكل حاد تضع فكرة أن الاقتصاد قوي جداً موضع شك، وهذا جزء مما يجري تسعيره في سوق السندات».
من شأن الانقلاب أن يعكس مسار التطبيع العالمي لمنحنيات العائد الذي شوهد منذ 2024. ويميل مستثمرو السندات إلى طلب عائد أعلى مقابل قدر أكبر من عدم اليقين الذي يأتي مع تجميد أموالهم لفترات أطول. وهذا يعني أن منحنيات العائد تميل عادة إلى الصعود.
وحتى الشهر الماضي فقط، كان هذا هو مسار المنحنى، إذ قفزت العوائد طويلة الأجل جزئياً بفعل مخاوف من أن مصداقية الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم كانت تتآكل تحت رئاسة كيفن وارش.
لكن بعد رفع البنك المركزي الفائدة في سبتمبر، قادت آجال الاستحقاق الأقصر ارتفاع العوائد. ويراهن المتداولون على ما يعادل ثلاث زيادات على الأقل بمقدار ربع نقطة مئوية في أسعار فائدة الاحتياطي الفيدرالي خلال العام المقبل.
ولا يتوقع بعضهم انقلاب المنحنى قريباً، إذ إن مقدار الزيادات المسعرة بالفعل يجعل من الصعب على أسعار الفائدة قصيرة الأجل أن ترتفع أكثر مقارنة بالعوائد طويلة الأجل.
وقال غينادي غولدبرغ، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية لدى «تي دي سيكيوريتيز» (TD Securities): «لقد أخذت السوق بالفعل في الحسبان زيادات كبيرة في أسعار فائدة الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما دفع المنحنى إلى تسطح حاد في الأسابيع الأخيرة». وأضاف: «وهذا يجعلنا نعتقد أن منحنى العامين و10 سنوات من المرجح أن يتحرك نحو مزيد من الانحدار في الأسابيع المقبلة».
ومن الصعب أيضاً تصور ضعف الاقتصاد بدرجة كبيرة الآن. فقد رفع الاقتصاديون للتو توقعاتهم لنمو الولايات المتحدة في الربع الثالث بفضل قوة الطلب، وفقاً لأحدث مسح شهري لـ«بلومبرغ».
لكن آخرين يرون أن اتجاه التسطح لديه مجال للاستمرار. وقال إد الحُسيني، مدير محفظة لدى «كولومبيا ثريدنيدل» (Columbia Threadneedle)، إنه يتموضع تحسباً لانقلاب منحنى العامين إلى 10 سنوات، ومنحنى الخمس سنوات إلى 30 سنة، خلال الأشهر الستة المقبلة، مع تشديد الاحتياطي الفيدرالي سياساته لتهدئة الاقتصاد والتضخم. وقال: «أفضل مؤشر على أن السياسة النقدية تصبح أكثر تشدداً هو تسطح منحنى العائد، وفي نهاية المطاف انقلابه».
وتدخل سندات العامين و10 سنوات هذا الأسبوع بعوائد تبلغ نحو 4.9% و5.2% على التوالي. ويقع عائد السندات لأجل 10 سنوات، وهو معيار رئيسي للسندات عالمياً، قرب أعلى مستوى له منذ 2007.
وعندما يكون المنحنى مقلوباً، فإنه يعكس غالباً القلق بشأن آفاق النمو، بالنظر إلى أن زيادات أسعار الفائدة مصممة لمعالجة التضخم عبر تهدئة الطلب على القروض. وقد يهيئ تباطؤ النمو في نهاية المطاف المجال أمام الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، ما يدفع العوائد طويلة الأجل إلى الانخفاض مقارنة بالعوائد الأقصر أجلاً.
ومنذ 1978، انقلب منحنى العامين و10 سنوات في المتوسط قبل بدء الركود بنحو 15 شهراً، مع تراوح الفاصل الزمني بين ستة أشهر وعامين، وفقاً لبيانات جمعتها «بلومبرغ».
غير أن القدرة التنبؤية للمنحنى واجهت تدقيقاً متزايداً في السنوات الأخيرة. وانقلبت منحنيات أميركية مختلفة في 2022، مع توقع غالبية الاقتصاديين ركوداً خلال 12 شهراً. ولم يتحقق ذلك قط، إذ أثبت الاقتصاد قدرته إلى حد كبير على تحمل حملة تشديد الاحتياطي الفيدرالي في 2022 و2023، وأزمة مصرفية إقليمية، وحرب تجارية عالمية، والارتفاع الحاد في أسعار الطاقة هذا العام.